حربان مشتعلتان في أوكرانيا

نيل هاور

Image courtesy of Sergei Guneyev / Pool / AFP

يُعد استمرار المعارك والغزو الروسي لأوكرانيا لمدة ثلاثة أسابيع نجاحًا عسكريًا لأوكرانيا، فقد توقع العديد من المحللين (حتى الكرملين نفسه) أن العمليات الروسية الخاطفة يمكن أن تحقق انتصارًا في غضون أيام، لكن المقاومة الأوكرانية العنيفة أثبتت فشل تلك التوقعات، وقد كلفت الحرب موسكو الكثير والكثير حيث تم تدمير أو الاستيلاء على أكثر من 1300 آلة حرب من المعدات العسكرية الروسية، كما أن أحد التقديرات الأمريكية حددت عدد القتلى الروس في العمليات بين 6000 و 8000 قتيل، وهو رقم مذهل مقارنة بـ2401 قتيل عسكري من جانب الولايات المتحدة خلال 20 عامًا في أفغانستان.

ولكن لا تعني تلك الخسائر نهاية الحرب، فلا تزال روسيا تمتلك ما يقرب من تسعة أعشار قوتها القتالية المنتشرة في أوكرانيا، مع مكاسب على الأرض لإثبات شيء من التقدم، وتشبه الحرب في أوكرانيا قصتين متوازيتين ومتباينتين إلى حد كبير وهما: الحرب في المدن، والحرب في الريف.

وقد استحوذ الصراع في المدن الأوكرانية على معظم الاهتمام حتى الآن، وذلك لسبب وجيه، فقد لجأ الجيش الروسي إلى أسلوبه القديم وهو تسوية المدن بالأرض إذا عجزوا عن فرط سيطرتهم عليها من خلال عمليات القوات الخاصة السريعة، وربما يكون هذا أكثر وضوحا في مدينة “خاركيف” وهي ثاني أكبر مدينة في أوكرانيا، بالقرب من الحدود الروسية في الشمال الشرقي. وبعد فشل الهجوم السريع في المدينة من قبل قوات “سبيتسناز” الخاصة والمظليين في الأيام الأولى من الحرب، نشرت روسيا مدفعية وقاذفات صواريخ متعددة على الضواحي الشمالية والشرقية لمدينة “لخاركيف” ويقومون حاليًا بتفجير مجمعات سكنية بأكملها وتحويلها إلى أنقاض، مما تسبب في خسائر فادحة في صفوف المدنيين بينما يقوض من قدرة الدفاعات الأوكرانية في المدينة.

وتدور قصة مماثلة على الجبهتين الغربية والشرقية لكييف، حيث تمكنت القوات الأوكرانية حتى الآن من صد المهاجمين الروس وإيقافهم على مشارف المدينة، وتدور أكثر المعارك وحشية في المناطق الحضرية في مدينة “ماريوبول”، وهي المدينة الساحلية في جهة الجنوب شرق حيث تتقدم القوات الروسية ببطء وسط قصف مكثف أسفر عن مقتل آلاف المدنيين بحسب ما ورد.

ولكن هناك حرب أخرى تدور رحاها في أوكرانيا، ولا نملك معلومات كافية عنها: وهي حرب الشوارع في الريف الأوكراني.

ويرتكز المحور الأساسي لهذه المعركة في شرق أوكرانيا، حيث لا يزال الجزء الأكبر من الجيش الأوكراني منتشرًا على طول الخطوط الأمامية مع جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الانفصاليتين، المصطفتين ضد القوات الانفصالية الروسية المشتركة، وكانت القيادة العليا الأوكرانية تكره التخلي عن هذه المنطقة، لسبب وجيه وهو إنها من المناطق الأكثر تحصينًا في البلاد، وقد ظلت جبهة شبه نشطة لكنها ثابتة طوال السنوات الثماني الماضية. وفي حين أن الانسحاب يعني التخلي عن مناطق واسعة من شرق أوكرانيا، فقد قامت القوات الأوكرانية المجهزة جيدًا وصاحبة الخبرة بأداء دورها على أكمل وجه، حيث تصد أي تقدم روسي مباشر من جهة الشرق.

لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن تلك القوة تواجه خطر متزايد، فقد اتصلت القوات الروسية في الجنوب الشرقي بوحدات تتقدم من شبه جزيرة القرم مع القوات التي خرجت من منطقة دونيتسك في خطوة عزلت مدينة “ماريوبول”، واستمروا في التقدم شمالًا، واستولوا مؤخرًا على بلدة “فولنوفاكا” بعد قتال عنيف. وفي الشمال، تحرز الوحدات الروسية التي تتحرك من جهة الحدود تقدمًا كبيرًا، حيث تصل إلى ضواحي “سيفيرودونتسك” (المقر الإقليمي لعدد من التشكيلات الأوكرانية) وستستولي على بلدة “إيزيوم” التي تمر عبرها أحد خطوط الإمداد الأوكرانية الرئيسية إلى منطقة “دونباس” وتقوم القوات الروسية بضرب المناطق الخلفية الآن، في منطقة مفتوحة حيث يمكن فقط للوحدات المدرعة الأوكرانية المتنقلة التحقق من تقدمها. مع عدم وجود مدن تعترض طريقها في هذه المنطقة، وإذا استمر الأمر على ما هو عليه، فستضطر القيادة العليا الأوكرانية قريبًا إلى اتخاذ قرار صعب وهو سحب قوات دونباس باتجاه نهر دنيبر، والتنازل عن المنطقة للجيش الروسي ، أو الاستمرار في القتال، والمخاطرة بوقوع أفضل وحدات الجيش الأوكراني  في الحصار.

ويتكرر نفس السناريو في مناطق أخرى من البلاد، ففي الجنوب، تحرز القوات الروسية التي تتحرك شمالًا من شبه جزيرة القرم تقدمًا على جانبي نهر دنيبر، حيث اقتربت من مدينة زابوريزي إلى الشرق ومدينة “كريفي ريه”، وهي مسقط رأس الرئيس فولوديمير زيلينسكي. وفي اتجاه الغرب، يبدو أن القوات الروسية قد توقفت خارج مدينة ميكولايف، ولم تحاول التقدم عبرها صوب أوديسا كما كان متوقعاً. وبدلاً من ذلك، فإنهم يتبعون نهجًا مشابهًا لخاركيف، وهو تدمير المدينة بنيران قاذفات صواريخ في الليل والمرور بوحداتهم الرئيسية من جانبها، وفي هذه الحالة، تتحرك هذه القوة الآن شمالًا نحو المنطقة الضعيفة لأوكرانيا، ولا تندفع باتجاه كريفي ريه فحسب، بل إلى قلب وسط أوكرانيا أيضًا.

لم يتضح بعد أي من جانبي الحرب سيكون حاسمًا، حيث إن تقدم روسيا في عمق الأراضي الأوكرانية يعطي العديد من الفرص للمدافعين أيضًا، فقد تبين مدى ضعف الخدمات اللوجستية الروسية التي لا تحظى بسمعة جيدة كما تم مهاجمتها عن طريق الغارات الماهرة المتكررة من قبل القوات الخاصة الأوكرانية والقوات غير النظامية، والاستيلاء على قوافل الإمدادات والوحدات المعزولة وتدميرها. ولا تمتلك موسكو أيضًا القوة البشرية اللازمة لتواجد مستمر في عمق المناطق الخلفية لأوكرانيا، بعد أن كافحت لتخصيص ما يكفي من القوات لغرض الاحتلال. وفي كلتا الحالتين، سيحظى الأسبوع المقبل في منطقة دونباس على وجه الخصوص باهتمام عالمي، وسيلعب دورًا مهمًا في تحديد ما إذا كان بإمكان روسيا هزيمة وحدات كافية من الجيش الأوكراني لفرض نوع من التسوية، أو ما إذا كانت قوات موسكو التي تتعرض لضربات متزايدة على الأرض ستفشل في تحقيق أهدافها.

 

نيل هاور هو محلل أمني يعمل حاليًا في كييف، أوكرانيا،  وعادة ما يكون مقره في تبليسي، جورجيا، ويركز عمله، من بين أمور أخرى، على السياسة والأقليات والعنف في القوقاز.