العواقب غير المقصودة من تدمير الاقتصاد الفلسطيني الذي يعتمد على المعونات

جوزيف دانا

عندما يتعلق الأمر بالإبقاء على الاحتلال، فالمشكلة تكمن في التفاصيل. تبدو العمليات العسكرية واسعة النطاق أمرًا سهلاً إذا ما قورنت بإدارة الحياة اليومية لملايين الأشخاص. وبعد مرور قرابة الخمسة عقود على الحكم العسكري في الضفة الغربية وقطاع غزة، تبدو إسرائيل وأنها قد امتهنت حرفة الاحتلال. ومن إحدى الأدوات التي استخدمتها إسرائيل لقهر الشعب الفلسطيني بتفاني لا رأفة فيه تلك منظمات الإغاثة الدولية، غير أن الأمور في طريقها إلى التغير في الوقت الحالي، وذلك نتيجة لبعض القرارات الهوجاء التي اتخذتها واشنطن. وعلى عكس فطرتنا التي تنادي بالعدالة للفلسطينيين، فان قرار الإدارة الأمريكية بقطع المعونة الفلسطينية سيجعل الفلسطينيون يعانون من تكلفة مؤلمة وصعبة بكل ما فيها على المدى القصير، الا انه مع ذلك سيقدم، بغير قصد، العديد من المنافع على المدى الطويل.

بعدما وقع الفلسطينيون والإسرائيليون اتفاقات أوسلو في حقبة التسعينات من القرن الماضي، حزمت مجموعة من موظفي الإغاثة الدولية حقائبها إلى فلسطين، وكانت الأراضي الفلسطينية على وشك أن تكون تحت إدارة فلسطينية رمزية، وهناك حاجة إلى شخص ما لبناء البنية التحتية لتلك الدولة الوليدة. ورغم أن السبب في إرسال موظفي الإغاثة يبدو في ظاهره لإنشاء المدارس والمستشفيات والمساعدة في تمهيد الطرق، تظل طبيعة المهمة سياسية في المقام الأول. وبدءًا من الطرق ووصولاً إلى أنظمة إدارة المياه، اضطرت منظمات الإغاثة إلى العمل مع السلطات الإسرائيلية جنبًا إلى جنب لتيسير مهمة موظفي الإغاثة. وبخلاف مساعدة الفلسطينيين في وضع حجر الأساس لدولتهم الجديدة، انتهت مهمة وكالات الإغاثة بترسيخ سيطرة إسرائيل على حياة الشعب الفلسطيني.

كانت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية منذ العام 1994 واحدة من كبرى منظمات الإغاثة العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وحصلت المنظمة على أكثر من 5,5 مليار دولار أمريكي في شكل مساعدات للسلطة الفلسطينية لبناء الطرق والمدارس والعيادات الطبية والمراكز المجتمعية. وعلى مدار العقد الماضي، ركزت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في عملها على توفير المساعدات الطبية إلى قطاع غزة وإنشاء محطة كبيرة لتحلية المياه لتلك الأرض المحاصرة. ورغم ذلك، علقت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية العمل بتلك المشروعات منذ أن سيطرة حركة حماس على القطاع في العام 2007.

وكشف الإعلان المفاجئ الذي أصدرته الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية هذا الأسبوع بشأن عزمها على إنهاء أعمالها في الأراضي الفلسطينية في يناير من العام 2019 عن الطبيعة الصادمة لأعمال الإغاثة التي تنفذها الوكالة داخل الأراضي المحتلة. كما أثار هذا القرار أيضًا تساؤلات هامة بشأن خطط دونالد ترامب حول مستقبل السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ورغم ما تقدمه الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من مساعدات هامة للفلسطينيين، إلا أنها أثبتت أنها الأداة التي يستخدمها الإسرائيليون والأمريكيون لمعاقبة الفلسطينيين إذا ما أرادوا اتخاذ قراراتهم باستقلالية.

وبسبب تعاونها الوثيق مع الحكومة الإسرائيلية، كانت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية دومًا هدفًا للانتقاد من جانب الفلسطينيين والمراقبين الدوليين. وفي العام 2011، كشف تحقيق عن أحد برامج بناء الطرق في الضفة الغربية والذي تنفذه الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية عن أن الهدف من إنشاء الطرق هو مساعدة إسرائيل في أحد مشروعات الاستيطان من خلال ربط المستوطنات بالمناطق الإسرائيلية ذات الكثافة السكانية العالية. علاوة على ذلك، لا يمكن للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تنفيذ أي مشروع من مشروعات الإغاثة إلا بموافقة صريحة من إسرائيل والسبب في ذلك أن جميع مواد الإنشاء تتدفق عبر نقاط التفتيش الإسرائيلية والمعابر الحدودية.

إن إنهاء أعمال الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أعمالها في الأراضي الفلسطينية من شأنه أنه يلقي الضوء على نقطتين إضافيتين بشأن الإغاثة الدولية داخل الأراضي الفلسطينية. فمنذ اتفاقات أوسلو لم تتعاون منظمات الإغاثة إلا مع السلطة الفلسطينية فقط، ولأنها حكومة مؤقتة غير منتخبة وتفقد شعبيتها بين الفلسطينيين بصورة متزايدة، يرى الكثيرون أن السلطة الفلسطينية ما هي إلا مقاول من الباطن لصالح الحكم الإسرائيلي. ومن خلال الخدمات الأمنية التي تقدمها السلطة الفلسطينية وتحصل مقابلها على التمويل اللازم، فإن السلطة الفلسطينية تمثل لإسرائيل خط الدفاع الأول للتصدي إلى المظاهرات الفلسطينية والعصيان المدني. وداخل قريتي رام الله وبيت لحم المنعزلة، تمارس السلطة الفلسطينية سيادة افتراضية على تلك الأراضي والتي لم تفعل أي شيء يذكر على مدار 25 عام لمنح الاستقلالية لتلك القرى. وفي ظل موازنات الإغاثة المتضخمة والرقابة المالية الضعيفة، ساندت المنظمات الدولية مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية النخبة من الطبقة الحاكمة الفلسطينية تحت ما يسمى باقتصاد الإغاثة.

وهذا الأمر ليس بالصدفة، بل شيء مخطط له. فمن خلال دراسة انهيار سياسة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، أنشأ الإستراتيجيين العسكريين الإسرائيليين بالتعاون مع نظرائهم من الأمريكيين السلطة الفلسطينية لتكون خط الدفاع الأول للاحتلال. وعلى مدار تاريخ الاستعمار، حكمت الشعوب أنفسها تحت اشراف المستعمر. هذا وقد كانت منظمات الإغاثة الدولية وتقديم ميزانية مفتوحة لبناء البنية التحتية وتوفير الخدمات إلى الفلسطينيين أحد أهم العوامل التي أدت إلى إنشاء السلطة الفلسطينية. وبعد كل هذا، يأتي آخر شيء ترغب فيه إسرائيل وهو أن توفر الخدمات المدنية إلى الفلسطينيين، مما يلزم إسرائيل بالمحافظة على البنية التحتية ذاتها. ولكن لماذا لم يتولى المجتمع الدولي هذه المسؤولية؟

وتثير تلك المساعدات الهامة للفلسطينيين التساؤلات بشأن الإستراتيجية الأكبر التي تنتهجها إدارة ترامب لإدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وفي ظاهر الأمور، ترغب واشنطن في إجبار رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، إلى الجلوس على مائدة المفاوضات من خلال حرمان منظمات مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من الدعم المالي، غير أن ذلك يكشف عن مدى سوء فهم إدارة ترامب للكيفية التي نشأ بها الاحتلال وطريقة إدارة أعماله بشكل يومي. ولا غرابة في أن الحكومة الإسرائيلية تشعر بالسخط من خطط ترامب لتجميد المساعدات وحجتها في ذلك أن وقف المساعدات قد يزعزع استقرار الوضع الراهن والذي تسيطر عليه إسرائيل بحذر شديد.

وبعد الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل – وهي قضية الوضع النهائي التي ناقشاها المفاوضون السابقون والتي لم يُكتب لها الحل إلا بانتهاء الاحتلال – يبدو أن ترامب قد تجاهل جميع أحكام الصراع. ومما يبدو أن الرئيس الأمريكي لا يعرف كيف وضعت إسرائيل وأمريكا قانون هذا الصراع.

ورغم ذلك، نجد أن ترامب يقدم خدمة للفلسطينيين على المدى الطويل، فمن خلال منع منظمات الإغاثة أمثال الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من تقديم الدعم إلى الفلسطينيين، نجد أن الإدارة الأمريكية تكشف قناع الخير عن الاحتلال، وأحد المصادر التي تستمد منها السلطة الفلسطينية شرعيتها. وفي ظل انقطاع المساعدات، تزداد أوضاع الفلسطينيين سوءا، وتواجه السلطة الفلسطينية مخاطر جديدة من داخلها. وبالنظر إلى تاريخ التعاون بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وعجز السلطة الفلسطينية على نيل الاستقلال، أصبحت السلطة الفلسطينية عقبة في طريق السلام ويجب إزالتها للوصول إلى تسوية عادلة. ورغم جميع الاحتمالات، فمن المحتمل أن يكون ترامب هو ذلك الشخص الذي سيبدأ في التخلص من تلك السلطة.

AFP Photo/Jaafar ASHTIYEH