الولايات المتحدة الامريكية لا تهدف الى حماية امداداتها من النفط من الشرق الاوسط بقدر ما تنتهج سياسة خارجية تهدف الى التحكم في اسعاره.

روبن ميلز

AFP Photo: Loren Elliott

في اعقاب غزو التحالف بقيادة الولايات المتحدة الامريكية للعراق عام 2003 برزت إيران وحلفاؤها الإقليميون مرة أخرى كتهديد رئيسي وفقا لتصور امريكا. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه لماذا يجب أن تكون الولايات المتحدة قلقة لهذه الدرجة بشأن قوة من الدرجة الثالثة في منطقة تبدو اليوم أقل أهمية للمصالح الأمريكية. وهنا تكمن الإجابة في النفط – ولكن ليس بالمفهوم التقليدي. فواشنطن لا “تحمي” إمدادات الطاقة لصناعاتها بقدر اهتمامها بالتحكم فيإمدادات النفط وأسعاره كأداة للسياسة الخارجية.

وتشير الدراسات الى إنفاق الولايات المتحدة 81 بليون دولار سنويا لحماية امدادات النفط اغلبها في الخليج العربي. ولكن حتى في عام 2005 ذروة واردات النفط الأمريكية، لم تكن حصة الشرق الأوسط كبيرة: فكانت كالتالي 14% من المملكة العربية السعودية، 5% من العراق واقل من 2% من الكويت.ومنذ ذلك الحين، تم القضاء فعليًا على صافي واردات الولايات المتحدة من النفط بسبب طفرة الصخر الزيتي.

وطالما ظلت أسواق النفط الأمريكية مرتبطة بالعالم، ستظل البلاد تواجه تأثير أي قصور في الطاقة اذ يؤديأي اضطراب في الشرق الأوسط الى رفع الأسعار الدولية، ويكون ذلك لصالح الولايات المنتجة للنفط مثل تكساس وأوكلاهوما وداكوتا الشمالية وألاسكا بينما يضر بقائدي السيارات في الغرب الاوسط الذي راهن عليه ترامب وكان مفتاحا لفوزه بانتخابات 2016 بفارق بسيط عن منافسه.

واليوم، فيما يتعلق بالنفط كسياسة، سلطت الاضطرابات في كبريات الدول المنتجة للنفط الأضواء من جديد على الحلفاء الأمريكيين في الخليج.

حيث انخفض انتاج فينزويلا من النفط من 2.4 مليون برميل في اليوم في 2015 الى,000 830 برميل في اليوم نتيجة سوء الإدارة الحاد وقلة الاستثمار كما دفعت العقوبات الأمريكية صناعتها نحو الانهيار فضلا عن اخفاق الرئيس المؤقت المدعوم من الولايات المتحدة خوان غيادو في الحصول على دعم، حيث تراهن روسيا على دعمها لنيكولاس مادورو.

وفي أبريل، أيد ترامب تحرك المشير الليبي خليفة حفتر في اتجاه طرابلس. وصرح رئيس شركة النفط الوطنية إن 95 في المائة من إنتاج النفط يمكن أن يتوقف بسبب تجدد القتال. والأخطر من ذلك، بالطبع، أن الحصار الأمريكي المفروض على إيران قد خفض إنتاجه بنحو 1.3 مليون برميل يومياً منذ أغسطس الماضي، وسوف يترتب على تهديد البيت الابيض المتمثل في “الصادرات الصفرية” فقدان إضافي قدره 800000 برميل يومياً أو نحو ذلك. كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على صناعة النفط الروسية في عام 2014 بسبب غزوها لأوكرانيا وتهدد بمزيد من الإجراءات ضد خط أنابيب الغاز نورد ستريم 2 الممتد الي المانيا الا ان هذه العقوبات لم تؤثر بشكل كبير على الإنتاج.

ويعكسالتوسع في تطبيق الإكراه الاقتصادي مكانة الولايات المتحدة الجديدة كمصدر للنفط والغاز الطبيعي المسال. ففي عهد الرئيس باراك أوباما، أصبحت الولايات المتحدة واثقة من أن زيادة إنتاجها أعطاها حرية أكبر في المخاطرة بإخراج نفط الخصوم من السوق. وتحت رئاسة ترامب، تبنت ادارته علنا مبدا الاقتصاد السياسي- على سبيل المثال، دفعت الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا عن طريق تهديد الإمدادات الروسية، والسكوت عن واردات الغاز والكهرباء العراقية من إيران فقط إذا منحت بغداد عقوداً لشركات أمريكية.

وبالنظر الى انتهاج الإدارة الأمريكية لسياسات خارجية متضاربة، أصبح مؤيدوها الخليجيون أكثر أهمية اذتعد قدرة المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت بدرجة أقل، على استخدام قدرتها الاحتياطية لإضافة ما يصل إلى 2.5 مليون برميل يوميًا في السوق أمرًا ضروريًا للتعامل مع الحالات الطارئة غير المتوقعة مع تصاعد الحملة ضد إيران.

ويقلل من “هيمنة الطاقة” الجديدة للولايات المتحدة – ان النفط الصخري ليس مرنًا للغاية مثل الاحتياطي السعوديكما أن المصافي لا تفضل استخدام النفط الصخري، وينقصها حاليا الطبقات المتوسطة والثقيلة والتي يتم إنتاجها في الخليج وفنزويلا وروسيا.

وبعد تهديدات إيرانية متكررة بإغلاق مضيق هرمز، قامت كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ببناء خطوط أنابيب جانبية يمكنها حمل ما يقرب من نصف صادراتها بينما اعتمدتالكويت وقطر والبحرين اعتمادًا تامًا على المضيق كما تعتمد عليه العراق في اغلب الاحيان. فاذا كانت الهجمات الأخيرة على الشحن البحري في المياه قبالة إمارة الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة وعلى خط الأنابيب السعودي بين الشرق والغرب بتوجيه ايراني، فإن طهران كانت تهدف الى توجيه رسالة مفادها أن هذه الطرق البديلة في مرمى نيرانها ايضا

وعلى الرغم أن واردات الولايات المتحدة من النفط الخليجي منذ مدة طويلة قليلة نسبيا، إلا أن موقفها الأمني هناك كان جزء رئيسي من نظام التحالف الغربي. وتيقنت أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية أنه لا يمكن للاتحاد السوفيتي السابق ولا المحتكر الإقليمي العدائي خفض إمداداته أو رفع الأسعار ومع تصاعد هذه النبرة أصبح الحلفاء يُنظر إليهم على أنهم تابعون، وملزمون بتبني الإملاءات الاقتصادية الأمريكية.

ويعطي الوجود العسكري الأمريكي المستمر في الخليج نفوذاً ضد منافس واشنطن الوحيد المحتمل، وهو بكين، وكذلك منافستها المزعجة في موسكو اذ ترتبط الدولتان بعلاقات قوية مع إيران التي تعاني من قلة الأصدقاء الآخرين.

ولا يزال دور الصين في الشرق الأوسط يقتصر إلى حد كبير على التجارة والاستثمار.لكن استراتيجية الحزام والطريق تحتم بناء وجود بحري في المنطقة، بالإضافة إلى تعزيز طرق استيراد النفط والغاز الأوروبية الآسيوية، والتي لا يمكن منعها بسهولة. فاذا اقتضى الامر حدوث صراع مفتوح، فلا تزال الولايات المتحدة تسيطر على الصين.

وفي تلك الاثناء، عززت روسيا دورها في الشرق الأوسط من خلال العودة إلى حليفتها القديمة في سوريا، وبناء النفوذ السياسي والاقتصادي في دول مثل مصر وليبيا والعراق. كما ان تعاونها مع أوبك جعلها لا غنى عنها للرياض أيضا. لكن روسيا لا يمكن أن تكون بديلاً للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بل مجرد رمانة الميزان.

وتلعب الأطراف الأخرى المهتمة – الدول الأوروبية والهند – دورًا دبلوماسيًا وأمنيًا هامشيًا في الخليج، على الرغم من أهميتها الاقتصادية ووجود التاريخ المشترك بينهم. وهكذاتشتكي واشنطن من ثقل العبء الذي تتحمله في الخليج، بينما تجني ثمار قبضتها الخانقة على أي منافس.