الحرب في سوريا تقترب من نهايتها ، لكن سحق الشعب مستمر

حايد حايد

AFP photo: Louai Beshara

مع انتهاء الحرب في سوريا، أصبح حتميًا قياس تأثير تلك الحرب على مستوى الخسائر البشرية. ورغم أن إحصاء عدد القتلى والجرحى من المقاييس التقليدية لقياس أثر أي نزاع، فإنه من الخطأ التركيز على هذا المقياس بمفرده دون النظر إلى التحديات التي تواجه الناجين، وخاصة المدنيين الذين يعيشون داخل المناطق التي يسيطر عليها النظام.

ورغم توقف القتال في سوريا إلى حد كبير، فهذا لا يعني أن الاضطهاد قد توقف، أو أن الخطر قد تضاءل. ولكن بدلاً من استخدام الأسلحة الحقيقة، أصبحت الأسلحة الآن هي القانون والمحاكم، والتي يستخدمها النظام لمعاقبة المدنيين الذين يشكلون “معضلة” للنظام في الوقت الحالي أو في وقت سابق.

إن نظام دمشق متهم بالفعل بإساءة استخدام النظام القضائي. ومنذ استعادة المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، زادت عمليات القبض على رموز المعارضة – العسكرية منها والمدنية. وحُرم الموظفون المدنيون الذين يعيشون في المناطق التي كان يسيطر عليها المتمردون بالفعل من وظائفهم.

والآن ذهب النظام إلى أبعد من ذلك. وأصدر النظام السوري مجموعة من القوانين العقابية التي تسمح له بمصادرة الممتلكات دون مراعاة الإجراءات القانونية اللازمة أو تعويض صاحب الممتلكات. وظاهريًا، تمثل القوانين الجديدة جزءًا من تدابير التخطيط الحضري لإعادة بناء المناطق التي دمرتها الحرب، ومن المفترض أن تلك القوانين لن تسري إلا على ما يسمى مناطق إعادة التطوير. ومع ذلك، فإن معايير اختيار مثل تلك المناطق غير واضحة، وغير معلن عنها بشكل محدد، وهو ما يمنح النظام تفويضًا مطلقًا لتطبيق القواعد الجديدة أينما يريدون، وخاصة ضد معارضي النظام.

إن إثبات ملكية العقار – وهو أمر يجب على الشخص نفسه القيام به – أمر مستحيل على السوريين الذين يعيشون خارج البلاد أو في المناطق التي ما زال المتمردون يحتفظون بها، وهذا يترك للدولة حرية الاستيلاء على ممتلكات هؤلاء، وبيعها في المزاد العلني. وبالنسبة لآلاف السوريين الذين يعيشون في الخارج كلاجئين، ويأملون في العودة إلى ديارهم، فإن مصادرة ممتلكاتهم تعني أنه لا يوجد ما يعودون لأجله.

ويستخدم النظام أيضًا قانون مكافحة الإرهاب منذ عام 2012 للاستيلاء على ممتلكات تخص نشطاء المعارضة المزعومين وأسرهم. وتشير منظمة “هيومن رايتس ووتش” إلى أن تعريف القانون للنشاط المشتبه به واسع جدًا لدرجة أنه حتى تقديم المساعدات الإنسانية وتسجيل انتهاكات حقوق الإنسان والانخراط في معارضة سلمية تعتبر جرائم. كما أن المرسوم 63 من القانون يتيح لوزارة المالية تجميد الأصول ريثما يتم التحقيق في مثل هذه “الجرائم”، حتى ولو لم تصدر أي تهم. وتقول منظمة “هيومن رايتس ووتش” إن الطريقة التي يتم بها تطبيق القانون – وخاصة استهداف عائلات المنشقين “المطلوبين” – تصل إلى حد العقاب الجماعي، وانتهاك حقوق الملكية.

ولا يزال النظام يعرقل بشكل منهجي إيصال المساعدات إلى المناطق التي كان يسيطر عليها المتمردون، وخاصة تلك المناطق الواقعة في جنوب سوريا، وذلك من خلال زيادة البيروقراطية، والقيود المفروضة على حرية التنقل، والتدخل في إجراءات الشراء، وفرض “شركاء” محليين على وكالات الإغاثة. ولم تعد المنظمات التي كانت تسلم المساعدات في الجنوب في السنوات الماضية قادرة على الوصول إلى تلك المناطق، كما أن الوكالات التي تتخذ من دمشق مقراً لها محرومة من الدخول إلى المناطق التي كانت تحت سيطرة المتمردين. وتشير التقارير الأخيرة إلى أن مئات الآلاف من الأشخاص الذين يعيشون في المناطق التي استولت عليها القوات الحكومية في 2018 يتضورون الآن جوعا بسبب نقص المساعدات الأساسية.

وتلك هي بعض من الطرق التي يوظف بها نظام الأسد القانون للتمييز ضد شعبه. وتلقي وحدات الاستخبارات الحكومية القبض على رموز المعارضة، ولكن في كثير من الأحيان لا تتخذ الدولة بنفسها الإجراءات القانونية، بل يقيم أفراد دعاوى قضائية خاصة ضد آخرين بناءً على طلب من الدولة. وتشير المعلومات المستقاة من المقابلات التي أجريتها إلى أن معظم هذه الملاحقات القضائية الخاصة قد رفعها مدنيون ضد قادة المتمردين السابقين والمقاتلين الذين استسلموا. ورغم أن القانون لا يجرم تشجيع أحد الأفراد على مقاضاة شخص آخر، إلا أن هذا مؤشر آخر على أن نظام الأسد لا يجد حرجًا في إساءة استخدام القانون من أجل اضطهاد أي شخص يرى أنه معارض.

وعلى النقيض من ذلك، يحصل أنصار النظام، المقاتلون والمدنيون، على حصانة كاملة عن الجرائم التي ارتكبوها قبل النزاع وأثناءه، ومن المؤكد أن أي شخص يحاول مقاضاتهم سيتعرض للمضايقة والترهيب، بل وحتى احتجازه.

ويطال التمييز الآلاف من موظفي القطاع العام في المناطق التي كانت تحت سيطرة المتمردين، والذين لم يتمكنوا من العمل أثناء الحرب وتم فصلهم من وظائفهم – لسبب يدعو للسخرية، وهو عدم ذهابهم إلى العمل. وهناك من غرمته المحكمة أو زُج به في السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات. ومرة أخرى، كل هذا يتم على ما يبدو وفقًا للقانون السوري، ولكن يبدو أن هذا القانون يتم تطبيقه بشدة على أولئك الذين يعيشون في أجزاء من البلاد والتي كانت تحت سيطرة المعارضة.  وفي تلك الأثناء، هناك جهود حثيثة لتشغيل المدارس والمستشفيات رغم النقص الشديد في عدد الموظفين، والمعاناة المستمرة للشعب السوري.

وعند حساب تكلفة الحرب، لا ينبغي بالطبع نسيان أولئك الذين دفعوا أرواحهم. ولا ينبغي أيضًا أن نقتصر في حساب التكلفة على عدسة العنف. فهناك طرق متعددة لسحق الشعوب دون إطلاق رصاصة واحدة. فبالإضافة إلى العنف، يسحق نظام الأسد شعبه بالبيروقراطية والقانون. وبالنسبة للشعب السوري، ربما تكون المخاطر قد تغيرت، لكنها لم تقل بأي حال من الأحوال.

حايد حايد، زميل باحث في المركز الدولي لدراسة التطرف بجامعة كينجز كولدج بلندن، وهو أيضاً زميل باحث استشاري في برنامج معهد تشاتام هاوس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.