الغرب فقد صبره إزاء حزب المؤتمر الوطني الأفريقي ANC، لذا فقد باتت جنوب إفريقيا مُجبرة على طلب العون من الشرق لأجل إعادة البناء

جوزيف دانا

AFP Photo: Yeshiel Panchia

بات يواجه رئيس جنوب إفريقيا الذي حصل على فترة رئاسية جديدة؛ تحديين رئيسيين.فعلى الرئيس “سيريل رامافورزا” ان يعمل بشكل جاد لجذب رأس المال الأجنبي، ومن أجل الوصول إلى ذلك الهدف يجب عليه إقناع المستثمرين الأجانب الذين يشعرون بالقلق بأنه جاد فيما يخُص تضييق الخناق على الفساد المنتشر بكثرة في بلاده والذي تسبّب في انهيار الاقتصاد. وتلك ليست بالمهمة السهلة، حتى لو كانت من ستقوم بتلك المهمة حكومة يرأسها شخص – كما يحلوا للبعض أن يقول – ثري جدًا ومن ثم فلن يكون فاسدا، ويتمثّل الحل الذي تنباه الرئيس وحكومته الجديدة في الابتعاد عن الاتجاه غربًا للحصول على الاستثمارات، وهو الأسلوب التقليدي، واستبدال ذلك بالاتجاه إلى الشرق حيث دول الخليج العربي علاوة على الدول الآسيوية.

وقد أدى الركود الاقتصادي الذي شهدته البلاد خلال الربع الأول من العام الحالي، إلى إجبار شركات البناء والخدمات المالية على تخفيض العمالة، مما أدّى إلى ارتفاع صاروخي في نسبة البطالة حيث وصلت إلى 27.6%، لكن هذا لا يعُد سوى الحلقة الأخيرة في مسلسل الكوارث الاقتصادية، ومعدل البطالة في جنوب إفريقيا لم يهبط إلى أقل من 20%% منذ العام 2000، وقد أدّت 8 أعوام من الفساد شهدتها البلاد في عهد الرئيس السابق “جاكوب زوما” إلى تجريد البلاد من أدوات الدولة، حتى ان أموال الدولة التي تم تخصيصها لتطوير البنية التحتية للكهرباء قام باختلاسها المسئولين الفاسدين الذين قام “زوما” بتعيينهم، مما أسفر عن إغراق شركة الكهرباء الحكومية (إسكوم) بالديون، وبات انقطاع التيار الكهربائي من الأحداث شبه المنتظمة.

وهناك عاملين يصعبان من مهمة “رامافوزا”، الأول هو حزبه المؤتمر الوطني الأفريقي ANC، والمحسوبية التي تحكم عمل الحزب، والتي سمحت لسوء الإدارة بالانتشار خلال سنوات حكم الرئيس “جاكوب زوما”، وبات لزامًا على “رامافوزا” القضاء على شبكات الفساد، وتعيين مسئولين جدد لإدارة الشركات الحكومية الحيوية، والحصول على رأس المال اللازم للتنمية في أسرع وقت ممكن.

وهذا يقودنا إلى العامل الثاني؛ وهو أن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي ANCوللمرة الأولى منذ وصوله إلى السلطة في العام 1994 حصل على أقل من 60% من الأصوات خلال الانتخابات الأخيرة، وأن الحزب بات أمامه منافس يتمتع بالثقة وهو حزب “مقاتلون من أجل الحرية الاقتصادية”، وهو الحزب اليساري المتشدد – القومي والقائم على السود بالأساس، تحت قيادة يوليوس ماليما الرجُل الشعبوي المفعم بالحماس، والذي كان سابقًا أحد القادة الشباب في حزب المؤتمر الوطني الأفريقي ANC، والرسالة التي أرسلها حزب “مقاتلون من أجل الحرية الاقتصادية” خلال الحملة الانتخابية تمثلت في أن التمييز العنصري لم ينتهي أبدًا في جنوب إفريقيا، لكنه تحول من صورته القائمة على الفصل العنصري عرقيًا واجتماعيًا وسياسيًا إلى فصل عنصري في مجال الاقتصاد، وأن النتيجة في النهاية واحدة، والواقع أن الأغلبية السوداء، التي تملك القليل من الإمكانات الاقتصادية لم تتغير حياتها كثيرًا عن الفترة التي عاشت خلالها تحت حكم الأقلية البيضاء، وتلك الرسالة ضمنت لحزب “مقاتلون من أجل الحرية الاقتصادية” 10% من الأصوات كما أشارت إلى أن مواطني جنوب إفريقيا لن يظلون للأبد عبيدًا لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي ANC، وبالنسبة لرجال الاقتصاد والمستثمرين الدوليين فهُم يأملون في استغلال حقبة ما بعد الانتخابات من أجل إصلاح أكثر الاقتصادات الإفريقية القائمة على الصناعة، لكن هناك بعض المخاوف تنتاب هؤلاء.

وعلى الرغم من الأداء الضعيف لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي ANCخلال الانتخابات الأخيرة؛ فإن الكثير داخل وخارج جنوب إفريقيا يعتقدون أن “رامافوزا” هو الرجُل المناسب القادر على مواجهة تلك المخاوف، أما “رامافوزا” الذي كان له دور خلال فترة التمييز العنصري كأحد أقطاب الاتحادات التجارية؛ فقد دخل إلى سوق العمل الخاص في أواخر التسعينات من القرن الماضي، وبات من أكثر رجال الأعمال ثراءًا على مستوى جنوب إفريقيا، والكثير على مستوى البلاد يعتقدون أن الرجُل بخبرته الاقتصادية وعلاقاته بات لديه أوراق اعتماد لرئاسة البلاد، بينما يبرر آخرون الموافقة على “رامافوزا” بأن الرجُل قد صنع ثروته وانتهى الأمر وأنه لا يمكن “شراؤه بالمال”.

وقد كان الإجماع العام قبل الانتخابات يتمثل في أنه بحجم قوة التفويض الذي حصل عليه “رامافوزا” سيكون من السهل عليه الحصول على رأس المال الأجنبي، ومع الانتصار الضعيف الذي حققه حزب المؤتمر الوطني الأفريقي ANC، فإن المستثمرين الأجانب الذين يعتمد عليهم اقتصاد جنوب إفريقيا من أجل البقاء هُم على وعي تام بالمعركة الشديدة التي بات على “رامافوزا” خوضها، كما أن رد فعل هؤلاء المستثمرين على فوز حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في الانتخابات كان فاترًا، والشعور العام؛ على الأقل لدى المستثمرين الغربيين يتمثّل في أنه على رامافوزا وحزب المؤتمر الوطني الأفريقي أن يثبتا للعالم الجدية فيما يخص إجراء إصلاحات اقتصادية والقضاء على الفساد.

وعلى نحو منافِ للعقل، وبعد 25 عام قضاها الحزب في السلطة فإن الحملة الانتخابية لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي قامت على فكرة: أعطونا الوقت من أجل الفوز في الانتخابات وإجراء الإصلاحات المطلوبة، والواقع أن العديد من المشكلات الاقتصادية في جنوب إفريقيا تعود إلى الضرر الذاتي الذي تسبب فيه سوء الإدارة الرهيب الذي تم التعامل به مع موارد الحكومة، وهو السيناريو الذي شهدته العديد من دول القارة وآخرها دولة زيمبابوي المجاورة.

والخطط الموجودة على الطاولة تشمل إعادة هيكلة شركة الكهرباء الحكومية (إسكوم)، والالتزام بالشفافية فيما يخُص استصلاح الاراضي، وتلك المسألة التي كانت بمثابة أهم النقاط التي قام حزب “مقاتلون من أجل الحرية الاقتصادية” بالتسليط عليها خلال الحملة الانتخابية. لكن نتائج تلك الانتخابات، ومع عدم الإعلان عن الحكومة الجديدة حتى الآن فلم يتم الاجابة عن الأسئلة الخاصة بقدرة قيادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي على العودة بالبلاد إلى مسار الرخاء، ولو أن الحكومة الجديدة تتمتع بالجدية فيجب عليها البحث عن مصادر جديدة للاستثمارات الأجنبية، بعيدًا عن المستثمرين الغربيين.

وقد دأبت الشركات الصينية على تزويد جنوب إفريقيا بالأموال التي كانت بمثابة طوق نجاة على مدار عدة أشهر، لكن تلك العلاقة لم تكن خالية من المشكلات، وبعد فشل المفاوضات الخاصة بحصول شركة الكهرباء الحكومية (إسكوم) على قرض من الصين في إبريل الماضي بات على الحكومة القيام بحزمة إنقاذ طارئة أو كمواجهة إخفاق مالي سيواجه الدولة بالكامل. وتلك الواقعة نجحت في تسليط الضوء على العلاقة الحساسة التي تجمع بين جنوب إفريقيا والمستثمرين الصينيين، وكذا سلطت الضوء على أهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية من أجل استمرار عمل الحكومة.

وبعد عدة أشهر من توليه منصب قيادة الحزب في ديسمبر من العام 2017 ذهب “رامافوزا” إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بحثًا عن شركاء اقتصاديين، وبالنظر إلى الروابط التاريخية القوية بين منطقتي الشرق الأوسط وإفريقيا (خاصة شرق إفريقيا)؛ فإن إقامة شراكة حقيقية بين أكبر البلاد الصناعية في إفريقيا وبين دول الخليج بات امرا طبيعيا ويتحتم على الجانبين المضي فيه. وعبر العمل سويًا؛ يمكن للطرفين بناء اقتصادات قائمة على المعرفة، كما يمكن لهما التشارك في مجال التكنولوجيا من أجل القضاء على التحديات المشتركة مثل إدارة مسألة المياه وهي القضية المُلِحّة التي ظهرت واضحة خلال موجة الجفاف التي ضربة “كيب تاون” خلال العام الماضي.

ولا يوجد من وسيلة أخرى يمكن لجنوب إفريقيا من خلالها أن تلتقط أنفاسها سوى بناء مثل هذا النوع من الجسور مع الدول الأخرى.