الغرب يترك زمبابوي – وبقية الدول الإفريقية مرتعًا أمام روسيا والصين

جوزيف دانا

رغم أن الأخبار المسربة من زمبابوي أخبارًا صادمة، لكنها في الغالب ليست مفاجئة. وعلى مدار الأسبوع الماضي، خرج الآلاف إلى الشوارع احتجاجًا على ارتفاع أسعار الوقود والتضخم الذي بلغ مستويات فلكية ورفض الحكومة فيما يبدو أو عدم قدرتها على إصلاح اقتصاد واحدة من الدول الأشد فقرًا في إفريقيا. وما زاد الأمور سوءًا، هو حجب الرئيس الزيمبابوي “إمرسون منانغاغوا” لمواقع التواصل الاجتماعي في ظل احتدام الاحتجاجات. ومن تطبيق “واتس أب” وصولاً إلى “تويتر”، أصبح الشعب الزيمبابوي عاجزًا عن ملاحقة ما يتناقله العالم الخارجي بشأن الفوضى التي تنهك بلادهم. وخلال فترة التكتم الإعلامي، تعرض المئات للاعتقال، وعدد لا يحصى من المصابين والقتلى.

وفي حديثٍ له هذا الأسبوع مع صحيفة “صنداي ميل” الحكومية، أقسم المتحدث باسم الرئاسة أن تصرف الحكومة حتى الآن كان “استشرافًا لما هو قادم”. وجاءت موجة العنف في أعقاب الارتفاع الكبير في أسعار الوقود وما نتج عنه من إضراب في البلاد. واتجه الاقتصاد الزيمبابوي مؤخرًا نحو الأسوأ بسبب إفلاس الحكومة في المقام الأول. وسجل التضخم -“40%” تقريبًا – مستويات لم تشهدها البلاد منذ تنازل الحكومة عن عملتها لصالح الدولار الأمريكي منذ عشر “10” سنوات مضت.

وبينما تلقي الحكومة باللوم في العنف على “الإرهابيين” وأعضاء حركة التغيير الديمقراطي المعارضة، فلا يأمل في حل للأزمة سوى عدد قليل من الشعب. وبالفعل، إذا استعرضنا الصحف الأوروبية والأمريكية بشأن الأزمة، سنجد المشهد ذاته، وهو أن الصحف جميعها تعرب عن أسفها بسبب العنف، لكنها لم تذكر أن السبب الرئيسي للعنف في أفريقيا هو الاقتصاد وفرص التغيير.

وربما يعود ذلك إلى انشغال تلك الصحف بقصة فشل أخرى لواحدة من الدول الأشد فقرًا في إفريقيا. وعند مقارنة التغطية الإعلامية لحجب خدمة الإنترنت مع القصص الواردة من مصر في العام 2011 عندما أمر الرئيس المصري “محمد حسني مبارك” بقطع الإنترنت في آخر أيام عهده، سنجد أن الفرق شاسع بين كلتا التغطيتين الإعلاميتين، فالعالم كان مصابًا بالدهشة من جرأة مبارك على قطع خدمة الإنترنت عن بلاده. ومع ذلك، في زيمبابوي، تقتصر التقارير الإعلامية، كعادتها، على أسوأ الأخبار العالمية الصادرة عن أبرز المنابر الإعلامية.

ومع ذلك، هناك مكانان يراقبان ما يحدث في منطقة أفريقيا الجنوبية، وهما بكين وموسكو. حيث سعت الصين وروسيا سعيًا حثيثًا للتودد إلى إدارة الرئيس الزيمبابوي الجديدة. ومن خلال الوعود بتقديم رأس المال المطلوب، وجدت “بكين” و”موسكو” في الرئيس الزيمبابوي الجديد شريكًا متحمسًا.

ولنستعرض الآن الأهداف الإستراتيجية لكل دولة من تعميق العلاقات مع الرئيس الزيمبابوي “منا نغاغوا”، ولكن قبل ذلك، من المفيد الأخذ في الاعتبار مسألة التدخل الدولي في أفريقيا على نطاق أوسع.

أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية، بناء على توجيه من مستشار الأمن القومي في إدارة “ترامب”، جون بولتون”، عن تطبيق سياسة جديدة في أفريقيا في شهر ديسمبر. وبخلاف التزام الولايات المتحدة بالتصدي للجماعات الإرهابية في أنحاء القارة الإفريقية، شدد “بولتون” على أن أمريكا تهدف إلى تقويض النفوذ الاقتصادي المتنامي للصين وروسيا من خلال الاستثمار. وفي حديثه إلى الصحفيين في ذلك الوقت، أشار “بولتون” إلى أن “الصين تستخدم الرشاوى، والاتفاقيات الغامضة، والاستخدام الإستراتيجي للديون حتى تكون دول إفريقيا رهينة لرغبات “بكين” ومطالبها، كما أن مشاريعها الاستثمارية تعج بالفساد، ولا تلتزم بالمعايير البيئية أو الأخلاقية مثلما تفعل المشروعات الأمريكية التنموية.”

وتعكس الجهود الروسية المتكررة في إفريقيا المنهج الأمريكي لاحتواء النفوذ الصيني المتنامي. ومضت أيام التدخل الروسي في الكفاح الإفريقي من أجل الحرية والذي يستند إلى حسابات سياسية ماركسية. وكما أن الصين تستخدم قوتها الاقتصادية للاستثمار في الاقتصاد الإفريقي المنهك، فهكذا تفعل موسكو. ويبدو هذا الأمر جليًا في مناطق إفريقيا الجنوبية، وفيها تسوق روسيا أي منتج لها بدءًا من مصانع الطاقة النووية وصولاً إلى التعاون العسكري.

وفي ظل انتشار العنف في شوارع “هراري” الأسبوع الماضي، كان الرئيس “منانغاغوا” في زيارة إلى موسكو لجلب الأموال. بل أن الرئيس غرد على تويتر مناشدًا شعبه بالالتزام بالهدوء. وتكمن المشكلة في أنه لا يوجد من يستطيع قراءة هذه التغريدة لأن الرئيس الزيمبابوي حظر تطبيق “توتير”.

وبعد كل تلك الأقوال والأفعال، نجد أن الصين هي المبدع الحقيقي في إفريقيا. ومن خلال الاستثمارات الهائلة في البنية التحتية، تدير “بكين” نموذجًا دبلوماسيًا يعتمد على محاصرة دول القارة الإفريقية بالدين. وفي هذا الشأن، تشكل “زيبمابوي” درة التاج. وفي عشية الانتخابات، استقل “منانغاغوا” طائرته إلى “بكين” لمناقشة اتفاقيات الاستثمار ومستقبل اقتصاد بلاده. وبالنظر إلى التحديات الاقتصادية المذهلة والتي تواجهها “هراري”، فمن المستحيل تقريبًا أن تتعافى زيمبابوي اقتصاديًا بدون ضخ رأس مال ضخم. وخلال هذا الأسبوع، رفضت جنوب إفريقيا طلبًا من زيمبابوي لإقراضها مبلغًا قدره “1,2” مليار دولار أمريكي، كما أشارت “جنوب إفريقيا” ببساطة إلى أنها ليس لديها أموالاً لتقرضها.

وعلى مدار العقود الماضية، كانت “هراري” تفكر في الحصول على مساعدة مالية لاجتياز حالة الجمود الاقتصادي الحالية. غير أن عقد من العقوبات على نظام “موجابي”، وعدم وجود مصلحة في المشاكل الداخلية للدول الإفريقية الفقيرة يشير إلى أن الحصول على مساعدة مالية لم يعد ممكنًا. ومن ثم، ستتدخل دولٌ أمثال الصين وروسيا لملء الفراغ والاستمتاع بالعاصمة السياسية المكتشفة حديثًا. إن عدم تغطية أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية للاحتجاجات في زيمبابوي يعكس ما هو أكثر بكثير من مجرد عدم الرغبة في الاهتمام بمستقبل دولة، إذ يعكس الحاجة إلى إعادة النظر في الأهداف السياسية الغربية في إفريقيا، وأن المستفيد من هذا هما الصين وروسيا فقط.

AFP PHOTO/SERGEI CHIRIKOV/POOL