هناك ما يثير التوتُر بين الولايات المتحدة والصين أكثر من الحرب التجارية، ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا محصورة في المنتصف من هذا الصراع

أفشين مولافي

AFP Photo: Nasser Younes

إذا ما أردت معرفة موقف الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة من قضية ما؛ كل ما تحتاج معرفته هو موقف الرئيس دونالد ترامب من تلك القضية ثم انظر إلى الموقف المعارض، وهذا ينطبق بشكل عام على السياسة الداخلية والخارجية، فيما عدا حالة استثنائية رئيسية واحدة: ألا وهي الصين.

ففي واشنطن التي تشهد انقسامات حزبية هائلة، يمكن للمرء أن يتوقّع أن تكون وجهة نظر ترامب وسياسته تجاه الصين – التي تختلف جذريًا عن سياسة إدارة أوباما –بمثابة لعبة سياسية، ولكنها لم تكن كذلك. ولم يعترض قادة الحزب الديمقراطي على رأي ترامب تجاه الصين بأنها منافسة استراتيجية (وربما ترقى لمرتبة العدو)، وأنه يجب الوقوف في وجه الصين فيما يخص القضايا التجارية والأمنية وتكنولوجيا الجيل القادم والقضايا الدبلوماسية أيضًا.

في حين اقترح بعض الديمقراطيون إدخال تغييرات تكتيكية على سياسات ترامب، لا توجد وجهة نظر بديلة قوية فيما يتعلق بالموقف تجاه الصين، وقد ظهر إجماع داخل منظومة السياسة الأمريكية في الوقت الحالي يدور  حول : ضرورة تحدّي الصين ومواجهتها واحتوائها.

وهذا الموقف يضع العديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وسط ذلك الصراع. ويرجع ذلك إلى أن إدارة ترامب عملت بنشاط على تحذير حلفائها من الاقتراب كثيرًا من الصين. وحتى إذا ما وصل الحزب الديمقراطي العنيد إلى البيت الأبيض، فإن العلاقات بين الولايات المتحدة والصين على الأغلب سوف تظل غير مستقرة، وهذا بدوره يعرض الدول الأخرى للخطر في إطار تلك الحرب الباردة الجديدة.

بيد أن العديد من دول المنطقة باتت لا تملك خيار الاقتراب من الصين أو الابتعاد عنها، فلقد مضى وقت ذلك بالفعل بالنظر إلى عدة حقائق؛ منها أن الصين تعُد أكبر مستثمر أجنبي مباشر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأكبر مشتري للنفط الإقليمي، وأكبر شريك تجاري للدول الأعضاء في الجامعة العربية. حيث يتخطى حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية 200 مليار دولار ومن المتوقع أن يزيد عن ذلك.

وتعتبر دبي عبر ميناء جبل علي مركزًا رئيسيًا لإعادة شحن البضائع الصينية التي تدخل أسواق الخليج وأفريقيا وجنوب آسيا. وتستخدم الشركات الصينية مجموعة من المنشآت لبيع منتجاتها في المنطقة مثل “دراجون مارت” في مدينة دبي – وهو مركز تجاري يبيع البضائع بالجملة (والتجزئة) – مما يجعله منافسًا لمعرض كانتون التجاري الذي يقام مرتين في العام. وهذا يجعل دبي مساهمة في زيادة أرباح التصدير العائدة على الاقتصاد الصيني. أما في منطقة تقاطع البحر الاحمر مع البحر المتوسط، تعتبر القاهرة القاعدة المركزية للصادرات الصينية المتوجهة إلى قارة إفريقيا.

وقد أعلنت الوكالة الدولية للطاقة ومقرها باريس، أنه سيكون هناك زيادة من الطلب الصيني على الطاقة بنسبة 56% بحلول عام 2040،  وهذا يعني بدوره زيادة احتياج بكين للنفط والغاز القادم من منطقة الشرق الأوسط. والمسألة لا تقتصر على المعاملات التجارية فقط، فلقد لاحظنا قيام شركات النفط الصينية القومية باستثمارات استراتيجية على امتداد المنطقة من أبوظبي إلى الجزائر فيما يخص استكشاف وإنتاج النفط والغاز، فضلًا عما سيتم مستقبلًا من استثمارات مماثلة.

لا يتعلّق الأمر فقط بتدفُق النفط والاستثمارات والتجارة، فقد وجدنا نشاطًا صينيًا متصاعدًا على مستوى الرئاسة أيضًا. حيث قام الرئيس الصيني شي جين بينغ بما لا يقل عن 14 زيارة لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ توليه الحكم، وهناك زيادة هائلة في حجم الزيارات المتبادلة على مستوى الوزراء بين الجانبين.

يشير كل ما سبق إلى أن محاولات إغراء الدول الحليفة بالشرق الأوسط من أجل الابتعاد عن الصين ستكون أصعب مما يتوقّعه ساسة الولايات المتحدة، لأن تلك العلاقات ببساطة تثمر عن فوائد عديدة للجانبين.

ففي قطاع الاتصالات، على سبيل المثال ، بالرغم من الضغط أمريكا على حلفائها للتوقف عن التعامل مع شركة هواوي الصينية المتخصصة في معدات الاتصالات لدواعي أمنية حسب التصريحات الأمريكية، لا تزال شركات الاتصالات في الشرق الأوسط مستمرة في استخدام تكنولوجيا هواوي في إطار سعيها للحصول على خدمة الجيل الخامس اللاسلكية، وتلك التكنولوجيا بالمناسبة تعُد بمثابة ثورة فيما يتعلق بتلك الصناعة في القرن الحادي والعشرين. يعزى ذلك إلى فشل الولايات المتحدة في توفير بدائل تنافس هواوي في الأسعار والسرعة، فكل ما فعلته هو إما تملق دول الشرق الأوسط أو توبيخها إن اتجهت إلى الصين.

خلال المؤتمر العالمي للهواتف الجوالة المنعقد في شهر فبراير من عام 2019، وقعت شركة هواوي على العديد من عقود توفير خدمة الجيل الخامس لعدد من شركات الاتصالات الوطنية بالسعودية والبحرين، و تعهّد مسؤولي شركة هواوي علنًا بدعم مجهودات التحول الرقمي في المملكة العربية السعودية. كما تعد شركة هواوي شريكًا رئيسيًا لمجهودات إطلاق شبكة الجيل الخامس في دولة الإمارات العربية المتحدة، والمسؤولة عن الأمور التنفيذية التكنولوجية في شركة (دو)، وهي شركة إماراتية قومية رائدة في مجال الاتصالات، وقد نُقِل مؤخرًا عن مسؤولي الشركة الإماراتية قولهم بأنه لا داعي للتخوف من “الثغرات الأمنية” في شبكة الجيل الخامس التي تقدمها هواوي على الرغم من التحذيرات الأمريكية بهذا الصدد. ويتضح أنه فيما يخص خدمة الجيل الخامس وشركة هواوي، فإن حلفاء واشنطن لا يستطيعون تبني نفس رؤيتها.

والمثير للسخرية، أن العام الماضي شهد الذكرى الأربعين لانطلاق العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والصين. وبينما يحل العقد الخامس منذ بدء تلك العلاقات، نحن نرى مجددًا العلاقة بين اثنتين من القوى العظمى في العالم – وذلك بعد أن أدّى انهيار الاتحاد السوفييتي في التسعينات من القرن الماضي إلى انفراد أمريكا بزعامة العالم لسنوات، في عالم تميّز خلال تلك الحقبة بالقطب الواحد. وعلى مدار فترة طويلة من الأربعين عامًا الماضية، كانت الولايات المتحدة بمثابة القوة العظمى التي “سمحت” للصين بالدخول في المنظومة الدولية التي وضعتها واشنطن. فخلال تلك الحقبة كانت الولايات المتحدة هي مصدر القوة التكنولوجية والمالية والجيوسياسية، أما اليوم باتت الصين تملك موارد هائلة في ذات المجالات. والواقع أننا قد دخلنا مرحلة جديدة.

بناء عليه، أصبحنا في مواجهة قوتين تناطحان بعضهما بعضا، وسيكون ذلك ملامح الوضع الجيوسياسي على مدار الأعوام العشرة القادمة، وستحتاج دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لأن تتسلح بالمهارة من أجل النجاة من تلك المواجهة الدائرة بين الصين والولايات المتحدة.

أفشين مولوي هو أحد أقدم زملاء معهد السياسة الخارجية التابع لكلية الدراسات الدولية المتطورة بجامعة جون هوبكنز، كما أنه مؤسس صحيفة New Silk Road Monitor ويعمل محررًا بها.