من خلال روسيا ودول الاتحاد الأوروبي، وفرت الأمم المتحدة للرئيس السوري “بشار الأسد” سبيلاً لتحقيق السلام

فيصل اليافعي

AFP Photo: Maxime Popov

رغم مرور عامين من النزاع والجدال، لم يكن النجاح على قدر المراد. وفي الفترة التي تسبق انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن اللجنة التي طال انتظارها لإعادة كتابة الدستور السوري تم الاتفاق عليها أخيرًا. وفي القمة، كان المبعوث الخاص للأمم المتحدة، جير بيدرسن، حريصا على التحدث عن الجوانب الإيجابية للاتفاق. وقال “جير”: “يجلس هؤلاء السوريون معًا للمرة الأولى بعد ثماني سنوات”. ورغم ذلك، لم يؤكد “جير” ضمانته بأن عملية كتابة الدستور ستنتهي بانتخابات حرة ونزيهة.

وهذا غير مفاجئ، لأنه أمر مستحيل، فسينتهي الأمر ببقاء بشار الأسد في السلطة إذا ما فاز في أي انتخابات جديدة.

إن إعادة كتابة الدستور السوري دون ضمان تنحي الأسد بمثابة الفخ الذي وضعت فيه الأمم المتحدة نفسها، في محاولة يائسة منها ألا تتفوق عليهاروسيا وحلفاؤها. وبعيدًا عن إظهار بعض التقدم السياسي برعاية الأمم المتحدة، ماذا يخسر الأسد من إعادة كتابة الدستور؟ وما الذي يمكن أن يكسبه الشعب السوري – بما في ذلك الموجودون في المنفى؟

والسؤال بهذه الطريقة يشير إلى أنه من الواضح أن الغاية من إعادة كتابة الدستور غير محددة، سواء كان الغرض من الدستور الحد من قبضة نظام الأسد، أو عزل الأسد من منصبه، أو حتى تهيئة الظروف لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

إن الهدف من المجهود الخارق الذي تبذله اللجنة الدستورية هو إظهار ولو قدر يسير من قناع الإصلاح الزائف لإقناع أولئك الذين يريدون بالفعل التطبيع مع النظام بالموافقة على تلك اللجنة. وبعد أن قضى نظام الأسد سنوات بعيدًا عن الأمم المتحدة، منحت الأمم المتحدة للتو نظام الأسد طريقًا للعودة إليها.

وبالنسبة لروسيا، تشكل إعادة صياغة الدستور جزءًا أساسيًا من استراتيجيتها لحمل الدول الأخرى على المشاركة في تكاليف إعادة الإعمار في سوريا. غير أن الغرب، ولا سيما دول الاتحاد الأوروبي، لديها حافز حقيقي لمنح النظام طريقًا للعودة إلى الأمم المتحدة، والمقابل بسيط، وهو اللاجئين.

وبعد مضى سنوات على أزمة اللاجئين، اقتنعت العواصم الأوروبية، وخاصة الدول الواقعة في جنوب القارة الأوروبية وشرقها، والتي يرفض سكانها الوافدين الجدد، أن الخيار الواقعي الوحيد هو أن تكون سوريا آمنة للاجئين.

وبالنسبة لتلك الدول، فإن القرار 2254 الصادر عن الأمم المتحدة في العام 2015 والذي حدد فقط عملية “الانتقال السياسي” في سوريا دون تحديد آليتها، يمثل عقبة وفرصة في نفس الوقت. فإذا كان في الإمكان التلاعب بمعنى “الانتقال السياسي” بالشكل الكافي، وإقناع النظام بإدخال بعض الإصلاحات البسيطة، ومنها على سبيل المثال، إطلاق سراح بعض المحتجزين، ومنح المزيد من السلطة إلى المناطق البعيدة عن دمشق، فمن الممكن حينئذ إبرام اتفاقية شاملة مع الاتحاد الأوروبي بخصوص الإفراج عن أموال إعادة الإعمار، وهذا من شأنه تخفيف الضغط على الدول الأوروبية من خلال السماح لمزيد من السوريين بالعودة إلى ديارهم ومنع الآخرين من المغادرة.

وتلك هي الأسباب الرئيسية الداعية إلى البدء في عملية سياسية. إن فكرة أن الدستور بصيغته المعدلة سيكون بطريقة أو بأخرى طوق النجاة للسوريين، أو يؤدي إلى لم شمل السوريين وتوحيدهم، أو يساعد على إزاحة الأسد عن السلطة، هي فكرة مضللة، لأن ثمة اعتقاد خاطئ في أن الهدف من الدستور هو كيفية تقييد نظام الأسد.

تمتلك سوريا دستورها، غير أنها لم تطبقه مطلقًا في العصر الحديث. فمنذ ما يقرب من 50 عامًا بعد تولي حزب البعث السلطة عام 1963، علقت الدولة العمل بالدستور بسبب إعلان حالة الطوارئ. ولم ترفع الدولة حالة الطوارئ إلا في عام 2011 في بداية الانتفاضة، كجزء من حزمة من الإصلاحات من جانب النظام في محاولة منه لإيقاف حركة الاحتجاج التي نشبت على غرار مثيلتها في بلدان الربيع العربي الأخرى. وهذا يعني أن معظم السوريين عاشوا فقط في ظل الدستور أثناء الحرب الأهلية.

إذن، ما الفرق الذي يمكن أن يشكله دستور جديد، بصرف النظر عن إعطاء مظهر من التقدم السياسي؟، حتى أن مؤيدي نهج الأمم المتحدة يعترفون بذلك. وأشارت المملكة المتحدة في بيانها أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والذي رحب بالإعلان عن تشكيل لجنة لإعادة كتابة الدستور، إلى أن “مشاكل سوريا لم تكن ناجمة عن عيوب في الدستور الحالي، بل حول طريقة تطبيق ذلك الدستور والسياسات القمعية للنظام”.

وفي هذه الحالة، بالكاد يكون الدستور الجديد هو الحل لتقييد سلطة الأسد، أو إزاحة الأسد عن السلطة، أو تحقيق العدالة لهؤلاء السوريين الذين تعرضوا للقتل أو الطرد. ويمكن بسهولة تعليق الدستور الجديد كما هو الحال مع الدستور الحالي. إن كل ما يتطلبه الأمر هو تحديد سبب لإعادة كتابة الدستور – وعلى كل حال، فكما قال وليد المعلم، وزير الخارجية السوري، في الجمعية العامة، ما زالت أجزاء من البلاد تحت الاحتلال من جانب القوات الأجنبية.

إن الحل لا يكمن في انتخابات جديدة. وأذكر بأن الأسد قد انتخبه شعبه مرة أخرى رئيسًا للبلاد في عام 2014، وذلك في خضم واحدة من أكثر مراحل الحرب الأهلية دموية. وبهذا، فإن إقامة انتخابات أخرى في ظل عودة النظام إلى سيطرته على معظم أنحاء البلاد تعني أن النظام سيربحها بسهولة.

ومن المستحيل أن يكون الدستور الجديد فعلاً هو الانفتاح نحو طريق التطبيع. ومن المقرر إجراء انتخابات رئاسية جديدة في عام 2021، أو في غضون 20 شهرًا تقريبًا، وهو إطار زمني معقول بما فيه الكفاية لإعادة صياغة الدستور، مما يؤدي إلى انتخابات جديدة ستمهد قطعًا إلى عودة الأسد إلى السلطة. وسيكون هذا الدستور هو القناع المثالي للإصلاح، ولكن بالنسبة إلى روسيا المنعشة والاتحاد الأوروبي المرهق، فقد يكون الدستور كافياً لتقديم تغطية سياسية لصناديق إعادة الإعمار.

وانتهت أيام الاعتقاد بأن بشار الأسد قد يترك السلطة. وفي أروقة أوروبا، بدأت عملية التخلي، فلقد تغلب نظام الأسد على خصومه العسكريين وتفوق على معارضيه السياسيين.

وأصبح بشار الأسد على مسافة قريبة من الفوز في الحرب. ومع تشكيل اللجنة الدستورية، فإن الأمم المتحدة تسلم بشار خريطة طريق لتحقيق السلام.