ظهور المشاكل مع بداية انطلاق الانتخابات التونسية في الخريف

دنيانيش كامات

AFP photo/Fabrice Coffrini

مع توجه التونسيون إلى صناديق الاقتراع في وقت لاحق من هذا العام لانتخاب رئيسًا للبلاد وبرلمان جديدين، فإنهم يواجهون مجموعة من العوامل والتي قد تهدد بشكل جدي استمرار ديمقراطيتهم الفتية. في الواقع، وعلى الرغم من أن الانتخابات ستكون بعد أكثر من ستة أشهر، يبقى السؤال ما إذا كان هذا هو الوقت كافيًا لاحتواء المشاكل، وإحياء واحدة من الديمقراطيات القلائل في المنطقة التي يمكن الوثوق بها.

ومنذ عام 2011، حققت البلاد مكاسب جمة، فقد نجحت في إقرار دستور جديد تقدمي، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية ومحلية بنجاح، وإجراء انتقال سلس للسلطة من إدارة منتخبة ديمقراطياً إلى أخرى. ولدى تونس اليوم واحدة من المجتمعات المدنية الأكثر حيوية في العالم العربي، بالإضافة إلى الصحافة شديدة الاستقلالية. وعلى الرغم من هذا كله، فإن دعم التونسيين للديمقراطية في أدنى مستوياته على الإطلاق حيث انخفض تفضيل التونسيون للديمقراطية بشأن الأشكال الأخرى للحكومة مسجلة أدنى مستوى لها بلغ 46% في العام 2018 بعدما وصلت أعلى مستوياتها في العام 2013 بنسبة 71%.

ولسبب وجيه، يعزو التونسيون خيبة أملهم الحالية إلى سياسييهم. وقد تفكك الائتلاف بين حزب النهضة الإسلامي وحزب نداء تونس العلماني، والآن يدعم حزب النهضة الإسلامي أحد الفصائل المنشقة عن حزب نداء تونس العلماني. وكان سبب ذلك التفكك، هو انسحاب نداء تونس من دعم رئيس الوزراء المنتمي إليها، “يوسف الشاهد”، بسبب ما زعمت أنه سوء إدارته للاقتصاد. ورغم ذلك، يزعم مؤيدو “الشاهد” أن محاولاته للسيطرة على الفساد تهدد زعيم حزب نداء تونس، وهو الرئيس التونسي “الباجي قائد السبسي” ذو الـ”92″ عاما ، والمواليين له من النظام السابق. وعلاوة على ذلك، هناك مزاعم بأن “السبسي” أراد أن الترويج لابنه “حافظ” ، في خطوة تحمل معنى المحسوبية وتذكرنا بالنظام القديم. وفي يناير، أعلن “الشاهد” عن تأسيس حزبه الخاص، “تحيا تونس”، وشغل منصبه بدعم من حزب النهضة، فضلا عن البرلمانيين المتمردين من نداء تونس.

لقد ساعد ميزان القوى المتغير في تمكين النهضة بشكل كبير. وعلى الرغم من الانتصارات الانتخابية التي حققها حزب “النهضة” منذ الثورة، فقد اختار حزب النهضة دائما أن يقدم أقل من المتوقع منه، فقد اختار ألا يخوض الانتخابات الرئاسية لعام 2014، ربما بسبب القلق الإقليمي من الهيمنة الإسلامية على مؤسسات الدولة. وعلى الرغم من فوز حزب النهضة في الانتخابات البرلمانية التالية بعدد كبير من المقاعد، فقد سمح الحزب لنداء تونس بتشكيل الحكومة.

وبعد انفصالها عن نداء تونس، وكذلك الانتصارات التي حققها في الانتخابات المحلية في العام الماضي، شرع حزب النهضة في وضع أعضائه في المناصب الحكومية الرفيعة، والشركات المملوكة للدولة، وهي محاولة من الحزب لاحتكار الطرق الرئيسية لدعم الدولة ومساندتها. وبطبيعة الحال، لم يقبل حزب “نداء تونس” هذا الأمر، حيث وصف قادته علانية “حزب النهضة” بأنه “بلاء لتونس”، وهو ما يشكل تدني جديد في السياسات التونسية. وهناك علامة أخرى على انهيار العلاقات بين الإسلاميين والعلمانيين، وهي الإدعاءات التي أطلقها “حزب الجبهة الشعبية اليساري” في العام الماضي بأن حزب النهضة كان يكون سرًا جناحًا مسلحًا.

وعلى الرغم من انقطاع علاقته بحزب “نداء تونس”، إلا أن الصراع السياسي بين رئيس الوزراء “يوسف الشاهد” والرئيس التونسي “السبسي” سيستمر في عرقلة خطط الحكومة للتعامل بفاعلية مع المشاكل الاقتصادية للبلاد. ومنذ توليه منصبه تقريبًا، كافح “الشاهد” لتطبيق الشروط الخاصة ببرنامج قرض صندوق النقد الدولي والبالغ “2.8” مليار دولار أمريكي، وذلك خلال أربع سنوات. ونتيجة لذلك، فإن مؤشرات الاقتصاد التونسي في الوقت الراهن لم تكن أفضل مما كانت عليه في وقت الثورة في عام 2011 – حيث سجلت البطالة نسبة “15%”، وانخفضت قيمة العملة لأكثر من “40%” منذ عام 2016؛ وسجل التضخم مستويات عالية، وازداد عجز الموازنة بدرجة كبيرة.

ولأن “الشاهد” لم يلقى معارضة من منافسيه السياسيين، فكان لزامًا عليه مواجهة النقابات العمالية القوية في تونس. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني، اضطرت الحكومة إلى الخضوع للإضرابات العمالية المتكررة، وفي خرق مباشر لتوصيات صندوق النقد الدولي، وافقت الحكومة على زيادة أجور القطاع عام المكتظ فعليًا بالعمالة، بالإضافة إلى التزامها علانية بعدم بيع الشركات الحكومية.

وما تزال الاحتجاجات العنيفة اعتراضًا على البطالة والفساد ووحشية الشرطة – وهي من الأسباب الرئيسية لثورة عام 2011 والتي بدون معالجة حتى يومنا هذا – متواصلة في الأقاليم الداخلية. وفي تكرار لحادثة حرق النفس والتي تسببت في اندلاع الثورة، أضرم صحفيٌ يبلغ من العمر “32” عامًا من مدينة “القصرين” النار في نفسه في ديسمبر وذلك احتجاجا على الاقتصاد الراكد، وأثار موته في وقت لاحق الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد.

إن الخطر الأكثر خطورة على استقرار البلاد هو عودة الإرهاب الجهادي. ومع هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في سوريا، فإن العديد من الدول الإقليمية تسعى جاهدة لوضع آلية للتعامل مع الجهاديين العائدين. ومع انضمام حوالي “6000” مواطن تونسي إلى تنظيم الدولة الإسلامية داعش وقت أن كان التنظيم في أوج قوته، كانت مشاركة المواطن التونسي في صوف الجهاديين هي الأعلى من نوعها. ومن غير المرجّح أن يتم اجتثاث مقاتلي “داعش” العائدين بنجاح وذلك إذا عادوا إلى نفس الظروف التي جعلتهم متطرفين في المقام الأول. وفي الواقع، شهدت تونس في أكتوبر / تشرين الأول الماضي أول هجوم إرهابي لها منذ عام 2015، وذلك عندما فجّرت امرأة عاطلة، والتي ربما قد تأثرت بأفكار “داعش”، نفسها في وسط تونس.

وعلى خلفية هذه التهديدات الخطيرة، يجب على السياسيين التونسيين إيقاف حالة الاستقطاب الحاد التي أصابت السياسة، وذلك خشية أن يؤدي الفراغ السياسي الناتج عن هذا الاستقطاب إلى منح فرصًا للقوى المناهضة للديمقراطية. ومن البدايات الجيدة التي تقضي على هذا الاستقطاب هي إنهاء التعيينات في المحكمة الدستورية، وهي هيئة من شأنها تسوية النزاعات بين رئيس الدولة ورئيس الوزراء، وهذا من شأنه أن يمكن الحكومة بدرجة كبيرة من تطوير قدراتها والاستعداد للتعامل مع التحديات العديدة التي تواجهها تونس.

والأهم من ذلك، هو أنه من الواجب بمكان أن تستعيد الأحزاب السياسية في تونس الثقافة السياسية الفريدة التي تتميز بها البلاد لأنها الضامن برعاية الديمقراطية وحمايتها.