قرارات ترامب بشان مرتفعات الجولان تعود الى عصر اخر، على الاتحاد الأوروبي ان يقلق

فيصل اليافعي

AFP photo: Brendan Smialowski

في البدء كانت تغريدته ثم تلا ذلك الإعلان. غرد ترامب الأسبوع الماضي معلنا عزمه على اسقاط عقود من القانون الدولي المستقر والاعتراف بسيادة إسرائيل على الأراضي السورية المحتلة: مرتفعات الجولان وهذا الأسبوع وقع على الإعلان

كانت الإدانة العالمية سريعة كما كان متوقعا. مصير زهاء ال 100,000 سوري الذين اضطروا للنزوح من الأراضي التي احتلت عام 1967 غير واضح شانهم شان الدروز السوريين الذين لم يبرحوا ارضهم. ومع ذلك، فإن قضية مرتفعات الجولان لا تتعلق بإسرائيل بقدر ما تتعلق بباقي العالم.

بالفعل يكافئ هذا القرار السياسيين الإسرائيليين على خروجهم على القانون الدولي، القرار الذي يهيا الظروف للقوة العسكرية لتصبح، بعد عقود عديدة، العامل الحاسم في العلاقات الدولية. سوف يكون لهذا القرار الذي يهدف الى مكاسب سياسية قصيرة الاجل تبعات طويلة المدى-مما يجعل أماكن أخرى في العالم اقل امنا.

مثلت القواعد القانونية المتعلقة بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة السارية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية جزءا من منظومة تضمن عدم استئساد الدول القوية على الدول الأخرى والاستيلاء على أراضيها.

سوف يكون قبول ضم مرتفعات الجولان بهذه الطريقة سابقة في المناطق التي تم ترسيم حدودها مؤخرا. ففي الشرق الأوسط تسعى تركيا لإنشاء مناطق نفوذ بطول الحدود الشمالية مع سوريا مما يمهد الطريق لأنقرة لاحتلال الأراضي السورية.

لن يتوقف الامر عند هذا الحد وانما سوف يكون لها تداعيات خارج منطقة الشرق الأوسط وسوف تمثل سابقة مرتفعات الجولان خطرا على الاتحاد الأوروبي بشكل خاص اذ يذكرنا استيلاء إسرائيل على مرتفعات الجولان باستيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا في عام 2014، الامر الذي لاقى انتقادا من الولايات المتحدة والتي فرضت عقوبات على روسيا بسببها. فاذا كانت الولايات المتحدة تقر استيلاء إسرائيل على الأراضي السورية لماذا لا تقر استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم؟

في الحقيقة اتسم استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم بمسحة من الشرعية الديموقراطية حيث تم طرحه للاستفتاء في الأراضي الأوكرانية؛ ولكن على النقيض لن يجري استطلاع لراي دروز مرتفعات الجولان والاف السوريين الذين اضطروا للنزوح منها.

ولا يتوقف الامر عند هذا الحدفالاتحادالأوروبي ملئ بالحدود المتنازع عليها إما لأنه لم يتم ترسيم الحدود بشكل صحيح، أو تم ترسيم الحدود مؤخرًا فقط، أو انه قد تم ترسيم الحدود تحت ظروف القوة أو الضغط، وهذا هو الوضع الشائع، ففي دول البلطيق في البلقان والمناطق حول البحر الأسود هناك مجال واسع للنزاعات الحدودية.

علاوة على ذلك، ثبت ان النزاعات الحدودية تتسم بالانفعالية بشكل لا يصدق، ويتم تسليحها بسهولة من قبل الجماعات اليمينية تحت راية الوطنية. وقد كانت حركة المستوطنين في إسرائيل هي التي تحرك قضية مرتفعات الجولان منذ التسعينيات؛ولا يزال من الممكن رؤية المؤيدين في تل أبيب حيث تتزين السيارات بملصقات “الشعب مع الجولان”. هذه التوليفة من الأرض والناس تؤدي الى اشتعال الغضب، والبلدان من أوكرانيا إلى مقدونيا لديها تجاربها الخاصة بها.

وتتضمن بؤر التوتر التالية المحتملة بين روسيا والاتحاد الأوروبي كافة هذه العناصر. دول البلطيق الثلاث:استونيا، لاتيفيا وليتوانيا ، جميعها أعضاء بالاتحاد الأوروبي محصورة بين روسيا وبحر البلطيق وجميعها مثل أوكرانيا لديها طائفة الروس الاثنية وجميعها كانت هدفا للحملات الدعائية الروسية التي تهدف كما يبدو الى تأجيج التوترات العرقية.

واستنادا إلى قواعد اللعبة التي تمارسها روسيا في شبه جزيرة القرم، فإن الخطر يكمن في قدرة روسيا على الاستيلاء على أجزاء من الدول الثلاث، مما يجبر الناتو والاتحاد الأوروبي على الاختيار بين خوض حرب كبرى ضد روسيا، أو قبول فقدان أراضيهم. وسوف تمنح سابقة هضبة الجولان الرئيس الروسي سلطة معنوية كبيرة لتبرير تلك الخطوة.

ولطالما كان الاتحاد الأوروبي والناتو قلقين من العدوان الروسي على دول البلطيق، خاصة بعد ضم شبه جزيرة القرم. وفي ذلك الوقت، حذر وزير الدفاع البريطاني من أن الروس قد يشنون حملة لزعزعة الاستقرار في أي من تلك البلدان، كما فعلت في أوكرانيا. ويؤخذ تهديد ألمانيا ببناء مركز قيادة بحري جديد في مدينة روستوك الشمالية، على بحر البلطيق على محمل الجد. والفكرة هي أن المنشأة يمكن أن تعمل كمركز قيادة للناتو أو الاتحاد الأوروبي في حالة حدوث أزمة في البحر.

وعلى صعيد الحدود السورية الإسرائيلية لا يغير قرار ترامب من الامر فقد توقفت محادثات السلام بين البلدين منذ زمن طويل وسمحت إسرائيل للمستوطنين اليهود بالعيش في المنطقة لعقود. وفيما يتعلق بال100,000 سوري ونسلهم الذين كانوا يعيشون هناك فانهم يفتقدون العدالة شانهم شان ملايين الفلسطينيين.

ولكن ما يحدث هو تغيير ملامح القواعد الدولية، مما يغذي شعورًا بأن إدارة ترامب تفضل العالم القديم حيث القوة فوق الحق.وبالنسبة لجميع السياسات قصيرة الأجل التي يبدو أن ترامب يركز عليها، فإن الآثار طويلة الأجل لهذا القرار ستكون جادة وهامة.