ترامب للانسحاب من سوريا تدفع تركيا إلى التقارب أكثر مع روسيا

عمر تاسبينار

عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشهر الماضي عن أن القوات الأمريكية في سوريا ستعود إلى ديارها على الفور، كانت تركيا واحدة من الدول القلائل التي رحبت بهذا القرار، بل إن البعض في أنقرة وصف هذا القرار بـ”النصر”. ومع ذلك، هناك في ساحة المعركة أبرز حلفاء أمريكا المناوئين لتنظيم الدولة الإسلامية داعش وهم “القوات الكردية” وتعتبرهم تركيا إرهابيين مرتبطين بحزب العمال الكردستاني. ومع خروج القوات الأمريكية من الجزء الشمالي الشرقي في سوريا، فلن تتمكن القوات الكردية بعد الآن من الاعتماد على الردع الأمريكي في مواجهة الغزو التركي. ويرى الجيش التركي، والحاضر بقوة في شمال غرب سوريا، وبالأخص في معاقل الأكراد في مدينة “عفرين”، أن العقبة الوحيدة أمامه في شمال غرب سوريا كانت ستنتهي في القريب العاجل.

بيد أن الأمر تغير خلال شهر. ففي الوقت الراهن، وبدلاً من أن تبسط تركيا سيطرتها بسهولة على المناطق الشمالية بأكملها، تواجه تركيا ممانعة محتملة من الأكراد. فإذا كانت تلك النتيجة، فما الذي تغير؟

أولاً، كان هناك حالة من الارتباك بسبب انسحاب القوات الأمريكية، واتضح سحب بعض المعدات العسكرية من سوريا الأسبوع الماضي، ولكن متى ستتبعها القوات الأمريكية؟ أو، هل لنا أن نصدق مستشار الأمن القومي الأمريكي “جون بولتن” ووزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” وهما يطمئنان التحالفات الإقليمية بأن الانسحاب لن يحدث إلا بعد القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بشكل حاسم، وضمان سلامة الأكراد؟، وبمعنى آخر، وعلى النقيض من تأكيدات ترامب، لن يكون الرحيل سريعًا. وكما هو متوقع، لم يندهش الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” من هذا التصريح. وقال في حديثه لأعضاء حزبه، “من المستحيل القبول بهذا الأمر، فهناك اتفاق مع الرئيس ترامب.”

ولم يكن هذا الأمر وحده الذي أغضب الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”. فبالإضافة إلى شعوره بخيبة الأمل من قرارات واشنطن، حدث تطوران آخران وهو ما أثار مخاوف تركيا من أكراد سوريا.

وكان أولهما هو الدبلوماسية المتنامية لأكراد سوريا والعقود العسكرية التي وقعتها مع أعداء تركيا في المنطقة، ومنهم المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر وإسرائيل. وفي شهر أكتوبر من العام السابق، خصصت المملكة العربية السعودية مائة “100” مليون دولار أمريكي لإقامة مشروعات لتحقيق الاستقرار في المناطق التي كانت سابقًا تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية وأصبحت الآن تحت سيطرة أكراد سوريا. وتناولت وسائل الإعلام التركية مؤخرًا تقارير عن انعقاد اجتماعات تنسيقية بين الأكراد ومسؤولي مخابرات المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات وإسرائيل.

ويتسم منطق أعداء تركيا بالبساطة. فطالما أن أنقرة مستمرة في دعم جماعة الإخوان المسلمين – وهي المنظمة التي تعتبرها مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة جماعة إرهابية – فإن مساعدة الأكراد هو السبيل الفعال للانتقام. ويسري المنطق نفسه على الغضب الإسرائيلي من أردوغان بخصوص دعمه لحركة “حماس”.

والتطور الثاني الذي أغضب أنقرة هو العلاقة الجيدة المتنامية بين روسيا والأكراد، هذا ولم تصرح موسكو مطلقًا أن “حزب العمال الكردستاني” منظمة إرهابية، وتبدي استعدادها لإجراء نقاش بشأن استقلال الأكراد في سوريا. ونتيجة لذلك، أرسل الأكراد في الوقت الراهن مقترحًا إلى موسكو، يُسمح بموجبه للحكومة السورية بأن تستعيد سيادتها على مساحة شاسعة من الأراضي السورية والتي استحوذ عليها الأكراد منذ العام 2012، وفي المقابل، يطلب الأكراد من دمشق درجة من الاستقلالية للاستمرار في حكمهم الذاتي.

ومما لا شك فيه أن أنقرة سترفض أي شكل من أشكال استقلال الأكراد في شمال سوريا. وبالتالي، ليس من المستغرب أن نرى في القريب العاجل قنوات تواصل بين أنقرة ونظام الأسد بهدف التفاوض على وضع الأكراد في شمال سوريا، فضلاً عن مصير جيوب المتمردين في “إدلب” والذين يحظون بحماية تركية.

إن أردوغان رجل فخور بذاته وقلما يقر بفشله. ومازال يرفض الاعتراف رسميًا بأن الحرب الأهلية في سوريا قد فشلت في إزاحة بشار الأسد، وأن على أنقرة التعاون معه. وللتوضيح، يفضل أردوغان أن تكون سوريا دولة استبدادية ذات حكم مركزي على أن تكون دولة يتمتع فيها الأكراد بدولة مستقلة بالقرب من الحدود التركية. ولهذا يتعين على تركيا القبول بالأمر الواقع في أسرع وقت ممكن والقبول بأن بشار الأسد باقٍ في منصبه.

وها هي روسيا ستكون في موقف الرابح مرة أخرى. وترغب موسكو في أن تعود العلاقة بين دمشق وأنقرة إلى طبيعتها، ولهذا، فإن “فلادمير بوتين”، باعتباره الزعيم الوحيد الذي يتحدث إلى جميع الأطراف الضالعة في النزاع السوري، هو الأقدر على التوسط بين أردوغان والأسد. وفي ضوء غضبه المتزايد من واشنطن، من المزمع أن يزور أردوغان موسكو آخر هذا الشهر، وعلى الأرجح بسبب البدء في عملية التسوية مع دمشق.

وأيًا كانت النتيجة التي سعى إليها ترامب من خلال بيانه الذي ألقاه في شهر “ديسمبر”، فمن عساه أن يعلن عن تلك النتيجة سواه؟، ورغم ذلك، من العدالة القول بأن أبرز مساعديه يعلمون تداعيات قراراته، ويسعون جاهدين لإصلاح الأضرار المحتملة. ورغم ذلك، هناك أشياء خارج صلاحيات هؤلاء المساعدون وهي تغيير وجهة العلاقة بين الحليف والعدو وذلك في ظل اقتراب أردوغان من المدار الروسي. ومن الأهداف الإستراتيجية طويلة الأمد التي تسعى موسكو إلى تحقيقها هو إضعاف حلف الناتو، وجاءت الخطوة الأخيرة للرئيس ترامب في سوريا لتدفع بالحلقة الأضعف في التحالف عبر الأطلسي بعيدًا عن واشنطن.

AFP PHOTO/ALEXANDER NEMENOV