تونس تختبر أجندة بايدن للديمقراطية

ياسمين الجمال

AFP photo: Fethi Belaid

تم الاحتفال والاحتجاج في نفس الوقت على إقالة الرئيس التونسي قيس سعيد لرئيس الوزراء هشام المشيشي واستيلائه على السلطة، وقد رحب المؤيدون بتلك الخطوة كونها تدبير وقائي لديمقراطيتهم التي انتزعوها من فم الأسد. وفي الجانب الآخر انتقدها المعارضون ونعتوها بالانقلاب السياسي. وقام كبار المسؤولين الامريكيين بحث سعيد على العودة الى ” الطريق الديمقراطي “، لكن لم يصل الأمر إلى حد التهديد باتخاذ أي إجراء نظير تلك الخطوة. وبالنظر إلى حقيقة أن الرئيس الأمريكي جو بايدن قد وضع حماية الديمقراطيات في العالم على راس أولوياته، فهل يُعد التعامل الأمريكي مع ما يحصل في تونس غير كاف؟ وماذا يمكن لأمريكا عمله غير ذلك؟

وقد كانت الديمقراطية هي الموضوع الرئيسي في خطاب تنصيب بايدن. حيث قال في خطابه “هذا هو يوم الديمقراطية”. وتابع قائلا: “نحتفل اليوم بانتصار الديمقراطية وليس بانتصار أحد المرشحين “. ولا شك أن هذا التركيز على الديمقراطية كان يهدف إلى طمأنة الملايين من الأميركيين الذين اعتبروا سلف بايدن، الرئيس السابق دونالد ترامب، خطرا على أميركا. وفي ذات الشهر، شاهد الأمريكيون بكل خوف وهلع لفيفاً غاضباً من مناصري ترامب يُنظم تمردًا في مبنى الكابيتول بتشجيع منه. وكان تنصيب بايدن انتصاراً للديمقراطية، على حد تعبير الأخير.

وفي مقال نُشر عام 2020 في مجلة فورين افيرز بعنوان “لماذا يجب على الأميركيين لعب دور القائد مرة أخرى”، تعهد بايدن الذي كان حينها مرشحًا للرئاسة، “بتفعيل الالتزامات الوطنية حول تعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية في جميع أنحاء العالم”. وشمل تعهده استضافة قمة عالمية للديمقراطية، فضلاً عن تفعيل “التزامات دولية جديدة ” في ثلاث مجالات هي: مكافحة الفساد، ومحاربة الاستبداد، والنهوض بحقوق الإنسان. والأزمة الحالية في تونس تختبر التزامات بايدن المعلنة وتشكك مرة أخرى في التضارب ما بين كل من القيم والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

ويُنادي دعاة الرد الأمريكي الصارم بالتزام أميركا بالقيم الديمقراطية كطريق لحمايتها ودعمها، من خلال وصف الأزمة بأنها انقلاب إلى وقف المساعدات عن تونس. وكتب رئيس البرلمان التونسي السابق راشد الغنوشي، الذي أقاله قيس سيعد في بداية الأزمة، مقالا في صحيفة نيويورك تايمز ناشد فيه الرئيس التونسي “التراجع عن خطواته” ودعا حلفاء تونس الغربيين والإقليميين إلى دعم سعيد في اتخاذ تلك الخطوات.

وتصر أصوات أخرى، خاصة تلك الموجودة في الشرق الأوسط، على أن التدخل الأمريكي يزيد الطين بلّة. وأن الولايات المتحدة ببساطة لا تستطيع فهم الفروق الدقيقة المحلية وبالتالي يجب ألا تتدخل في شؤون الدول الأخرى.

وفي مقالة للرئيس بايدن في عام 2020، انتقد فيها نهج سلفه، حيث كتب أنه “عندما تتطلع ديمقراطيات العالم إلى الولايات المتحدة للدفاع عن القيم التي توحد البلاد، لقيادة العالم الحر، لكن يبدو أن ترامب يعمل مع فريق الخصم ” وتضع الأزمة في تونس الآن كلمات بايدن في دائرة الضوء مرة أخرى. إذا وضع سلفه الولايات المتحدة مع “فريق الخصم”، فما على بايدن عمله ليُثبت للعالم أنه يضع بلده مع الفريق الصحيح؟

وبالنظر للوضع الراهن الذي لا تزال تتكشف ملامحه مع مضي الأيام، وعدم وضوح نوايا سعيد، فهناك القليل من الخطوات الملموسة التي يمكن لفريق بايدن اتخاذها الآن. ومع ذلك، ينبغي أن تواصل الادارة الامريكية الإعراب عن دعمها للعملية الديمقراطية. ولهذا السبب اجرى مستشار الأمن القومي جيك سوليفان ووزير الخارجية أنطوني بلينكين مكالمة هاتفية مع سعيد، وتلك تُعد خطوة في الاتجاه الصحيح.

ثانيًا، يجب على بايدن وفريقه أيضًا تشجيع سعيد بشكل صريح وواضح على إعادة البرلمان المنتخب للإشراف على تصرفات السلطة التنفيذية وفقًا للمادة 80 من الدستور التونسي.

ثالثًا، عوضاً عن توبيخ الرئيس التونسي أو تهديده علنًا بإجراءات عقابية، على فريق بايدن التوضيح بأنهم يقفون على أهبة الاستعداد لتقديم كل ما هو ضروري لدعم الديمقراطية وذلك من خلال إعادة الضوابط والتوازنات اللازمة لتحقيق ديمقراطية مزدهرة. كما أن تونس ستجني فوائد الانتماء والانتساب إلى مجتمع الديمقراطيات التي سيجمعها الرئيس بايدن في قمته العالمية حول الديمقراطية.

إن الاستعانة بسياسة الجزرة عوضاً عن سياسة العصا سيدفع بأجندة بايدن الديمقراطية للأمام من دون جلب تُهم النفاق، خاصة في وقت تعد فيه غالبية حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط أنظمة غير ديمقراطية.

وأخيرًا، إذا كانت الولايات المتحدة ترغب حقًا في أن يُصادق قُولها فِعلها فيما يخص الديموقراطية، فعليها أن تفعل ذلك بتواضع واحترام للسكان المحليين، مع الاعتراف بأنها غالبًا لا تملك فهمًا كاملاً للأحداث على الأرض أو دعم من قبل غالبية الشعوب.

بينما يستعد بايدن لعقد قمته العالمية حول الديمقراطية في العام المقبل، فإن كيفية استجابة إدارته لللازمة في تونس ستقدم مثالًا واضحًا لما تعنيه أمريكا بقولها دعم الديمقراطيات في الخارج. ويبقى أن نرى ما إذا كان المثال سيكون إيجابيًا أم سلبيًا.

ياسمين الجمل كاتبة ومحللة سياسية في شؤون الشرق الأوسط والسياسة الخارجية للولايات المتحدة والراديكالية والتطرف العنيف. وهي مسؤولة سابقة في البنتاغون وعملت مستشارة لسياسة الشرق الأوسط تحت إشراف أربعة وزراء دفاع أميركيين