الديمقراطية التونسية تؤجج التوقعات وتخلق مفارقة مظلمة

عمر تاسبينار

بناء على نظرتك للأمور، قد تعتبر تونس قصة نجاح، كما تبدو كدراسة محبطة للمفارقات. أما بالنسبة لأغلب التونسيين، فهي تمثل الأمرين معاً. فإنجازات تونس واضحة إذا ما قارنتَ البلاد بالديناميات الإقليمية الكئيبة في الشرق الأوسط؛ حيث إن أغلب دول العالم العربي ترزح تحت وطأة الحروب الأهلية والأنظمة الاستبدادية والتوترات الطائفية. وفي هذا السياق القاتم، تمثل تونس الاستثناء الذي يؤكد أنه من الممكن أن تنهض ديمقراطية ما بعد الثورة وأن تحافظ على نفسها بالاعتماد على ديناميات محلية بحتة. ومع اقتراب انتخابات بلدية مهمة، تشهد تونس تنافس العديد من الأحزاب السياسية من أجل الوصول إلى السلطة وتحقيق حرية تعبير وتجمع حقيقية وحرية الصحافة وخلق مجتمع مدني حيوي ونشيط.

لكن التفاؤل يتوقف عند هذه النقطة، إذ يكفي المرء قضاء بضعة أيام في البلاد حتى يلاحظ المعاناة الاقتصادية للتونسيين. ويتناقض هذا الشعور الكئيب داخل البلاد تماماً مع صورة النجاح التي تعكسها البلاد خارجياً. فالتونسيون ينظرون إلى الحريات السياسية التي حصلوا عليها حديثاً بسخرية مريرة؛ “في ظل حكم [زين العابدين] بن علي لم نكن نستطيع الكلام، لكن على الأقل كنا قادرين على توفير لقمة العيش”، يقول أحد المرشدين السياحيين ساخراً أثناء تجولنا في شوارع سيدي بوسعيد، وهي مدينة سياحية رائعة الجمال في ضواحي تونس العاصمة. لكن مع وجود بضع سياح فقط، ما فتئ الباعة المحليون في السوق يتذمرون من غياب حشود أوروبية أكبر، وهو الأمر المتوقع عادة في هذا الوقت من السنة.

كثيراً ما أشار المتخصصون في العلوم السياسية إلى أن الثورات نادراً ما تقوم بسبب الفقر المدقع، وإنما هي في حقيقة الأمر نتاج للتوقعات المتزايدة والتطلعات التي لم تتحقق، وثورة “الياسمين” في تونس خير مثال على ذلك. فلطالما اعتزت تونس برأسمالها البشري القوي، كما أن المؤشرات السوسيو-اقتصادية للبلاد، سواء معدلات الأمية أو مستويات التعليم أو مشاركة النساء في القوة العاملة، كانت دائماً أعلى بكثير من المتوسط في الشرق الأوسط. لكن في نفس الوقت، كانت البلاد تعاني من نظام حكم استبدادي خانق وفروقات شاسعة في الدخل في ظل دولة بن علي البوليسية. هذه الديناميات، مصحوبة بنظام اقتصادي فاسد لم يقدم أي آفاق حقيقية لارتقاء الطبقة الفقيرة، أدت إلى توسيع الفجوة بين التوقعات والفرص، فكانت النتيجة هي ثورة 2011 التي أطلقت العنان للربيع العربي.

إن مشكلة التوقعات هي أنها لا تنتهي أبداً بعد نجاح الثورة، بل على العكس من ذلك، فهي تتزايد وتولد المزيد من الاحباط في غياب ظروف أفضل. اليوم وبعد أكثر من سبع سنوات على قيام الثورة، تظل تونس بلداً لم تتحقق توقعاته. فأغلب المشاكل الهيكلية المتعلقة بالاقتصاد ما تزال قائمة، كما أن الفساد المنهجي والإنتاجية المنخفضة والبيروقراطية المختلة وظروف العيش المتدنية والحضور القوي للنقابات في القطاع العام الذي يقاوم الخصخصة والإصلاحات الهيكلية، إلى جانب المشاكل المالية المرتبطة بالقاعدة الضريبية الضيقة والقطاع غير نظامي الكبير، كلها عوائق متجذرة تعترض النمو الاقتصادي والاستثمار الأجنبي المباشر الذي تحتاجه البلاد بشدة.

وتعتبر معدلات بطالة الشباب الضخمة تحدياً مهولاً بشكل خاص، حيث يتعذر على أكثر من ثلث خريجي الجامعات التونسيين إيجاد وظيفة. وفي غياب أدنى أشكال مبدأ الجدارة، تظل تونس بلداً تفوق فيه أهمية صلاتك وعلاقاتك أهمية خبراتك ومؤهلاتك، ولهذا فإن مستوى الاحباط والسخط لدى الشباب التونسي مرتفع للغاية. فقد غيرت ثورتهم النظام السياسي دون إصلاح أي من المشاكل الاقتصادية التي تضر بمستقبل البلاد. ومن المؤكد أنه من غير المعقول توقع حلول سحرية في ظل استمرار النخبة الحاكمة منذ عهد النظام السابق في مراكز صنع القرار. لكن التونسيين، وخاصة الشباب منهم، قد فقدوا صبرهم وهم الآن يملكون الحرية ليعبروا عن استيائهم من خلال صناديق الاقتراع.

لكن هناك مجال واحد تولد فيه المشاكل الاقتصادية القديمة تحدياً سياسياً جديداً عصيباً للغاية. ففي مقال قدم ملاحظات ذكية نشرته مجلة “نيويوركر” بعنوان “تصدير الجهاد”، يقول جورج باكر: “عبر رفع التوقعات ثم إحباطها، خلقت الثورة ظروفاً ملائمة لازدهار الراديكالية. فقد أصبح الرحيل للجهاد ظاهرة اجتماعية في تونس، حيث ينتشر التجنيد كالنار في الهشيم عبر شبكات غير رسمية تشمل الأصدقاء وأفراد الأسرة. كما أن تونس بلد صغير، ما يعني أنه يسهل ملاحظة اختفاء أي كان”.

هنا تصبح المفارقة التونسية أكثر سواداً. فالثقافة السياسية والنظام السياسي في البلاد يعتمدان على المساومة، كما أن تونس تحتضن أكثر الأحزاب الإسلامية اعتدالاً في العالم العربي، والذي قام بشطب الإسلام السياسي من برنامجه عن طريق الفصل بين أنشطته السياسية والدينية. إلا أن البلاد ما تزال مصدر أكبر عدد من مجندي تنظيم “داعش”. وتشير أغلب التقديرات إلى أن هذا البلد الصغير الذي لا يتجاوز عدد سكانه 11 مليون شخص ليس فقط منارة الأمل الوحيدة لتحقق الديمقراطية الحقة في العالم العربي، بل إنه أيضاً يحتل المرتبة الأولى عالمياً من حيث تصدير المقاتلين الجهاديين.

بالمختصر المفيد، يملك التونسيون أسباباً مشروعة للشعور بالاكتئاب. فمع استمرار مشاكل الحكامة الأمنية والاقتصادية، لا يبدو أن إنهاء الاستبداد قد خلق شعوراً كبيراً بالارتياح لدى التونسيين. لكن في خضم كل هذا الغم والهم، يجب على الشعب التونسي أن يتذكر أن أفضل طريقة لتحسين ظروف العيش وجودة الحياة هي عبر المضي قدماً في المشاركة المدنية والإصلاحات الديمقراطية، سعياً إلى إقامة مؤسسات شاملة وإصلاحات هيكلية.

لقد وصلت تونس إلى منعطف حرج في مسارها الديمقراطي، ولن ينفع الحنين للماضي الاستبدادي التونسيين بشيء. فالشباب التونسي اليوم يملك أكثر من مجرد حرية التعبير؛ هم يملكون الحرية للعمل بناء على قناعاتهم السياسية. فحتى لو لم يحقق هؤلاء الشباب أياً من توقعاتهم، لكن على عكس أغلب الدول العربية، هم يملكون فرصة حقيقية للسعي إلى تحقيق تطلعاتهم عبر المشاركة السياسية، والتنافسية الإيديولوجية الحقة، والانتخابات الحرة النزيهة. وفي وقت تعرف فيه الديمقراطية الليبرالية تراجعاً على الصعيد العالمي، فإن هذه الخطوة ليست بالإنجاز الهين بالنسبة لبلد صغير لكن بالغ الأهمية.

AFP PHOTO/FETHI BELAID