تونس: التأخر في استكمال الإصلاحات الاقتصادية يهدد الانتقال الديمقراطي

إيساندر العمراني

(ساهم في إعداد هذا المقال مايكل العياري)

في داخل تونس وخارجها، تكاثرت الآراء القائلة بأن الاحتجاجات وأعمال الشغب التي شهدتها البلاد في وقت سابق من هذا الشهر ما هي إلاَّ دليل على قرب اشتعال فتيل ثورة شبيهة بتلك التي شهدتها البلاد في 2010-2011، والتي كانت هي الشرارة التي أطلقت الربيع العربي. بيد أن احتجاجات هذا الشهر، وعلى الرغم من مأساويتها، لا ينبغي فهمها على أنها إرهاصات جديدة لعودة النزعة السياسية الثورية إلى الساحة التونسية، وإنما هي دليل على حجم العمل الشاق – وغير المكتمل – الذي ما زال يجب إنجازه في مسار التقدم الديمقراطي بتونس.

لا شك أن الاحتجاجات قد كشفت عن استمرار حالة عدم الاستقرار والاستياء الاجتماعي والاقتصادي، غير أنها كانت مختلفة عن تلك التي شهدتها البلاد في 2010 من حيث أن المحتجين لم يسعوا إلى الإطاحة بالنظام الحاكم. ذلك أن موجة الغضب لم تكن موجهة كما في السابق ضد النظام القائم الذي كرس حكم الرجل الواحد على مدى عقود، أو ضد الدولة البوليسية التي مكنت هذا النظام من بسط نفوذه. كما أن المحتجين لم يدخلوا في تحالفات مع منظمات سياسية مؤثرة كالنقابات التي كان من شأنها أن توفر شبكة وطنية من المحتجين في إطار أجندة سياسية أكثر وضوحاً.

بدلاً من ذلك، خرج المحتجون للتعبير عن استيائهم من عجز الحكومة عن الوفاء بوعودها بتقليص الفوارق الاقتصادية، وكذلك للتنديد بالسياسة المعقدة والفوضوية التي تطغى على الانتقال الديمقراطي في البلاد. إضافةً إلى ذلك، فإن قائمة التظلمات كانت أقصر هذه المرة. إن الشرارة الأولى لهذه الاحتجاجات الجديدة كان سببها تفعيل ميزانية اشتملت على زيادة في بعض الضرائب والتعريفات على الواردات. وبما أن هذه الإجراءات جاءت بعد سنوات من ارتفاع التكاليف بصورة تدريجية، فإنها قد خلفت ردود أفعال قوية في أوساط مجتمع مدني ناشئ قرر النهوض ضد ارتفاع الأسعار.

إنه من المهم تجنب الخطاب الذي ساد في 2010 ووضع هذه الاحتجاجات في سياقها السياسي الحالي بتونس. إن هذه الاحتجاجات اندلعت قبيل الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها في مايو، وبعد ثمان أشهر من التوترات المتصاعدة بين الرئيس الباجي قائد السبسي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد. في الصيف الماضي، أطلق الشاهد حملة ضد الفساد استهدفت شخصيات مقربة من الحزبين الرئيسيين في الائتلاف الحاكم، وهما “نداء تونس” و”النهضة”. هذا وكان الشاهد في السابق حليفاً للسبسي وعضواً في حزب “نداء تونس” (الذي يرأسه السبسي)، لكنه بات أكثر استقلالية وبدأ في بناء تحالفاته السياسية الخاصة، لا سيما مع الاتحاد العام التونسي للشغل ذي النفوذ الواسع. وهذا الأمر أشعل التكهنات بأنه يسعى إلى التموقع كمرشح للرئاسة في العام المقبل.

ويُعتقد أن استقلالية الشاهد المتزايدة لا تروق للسبسي ولا لأقرب حلفائه حالياً (وغريمه الأزلي في نفس الوقت) زعيم حركة “النهضة” راشد الغنوشي. ومن المفارقة أن الاحتجاجات قد خدمت الرجلين وحزبيهما كونها أضعفت الشاهد، وهو ما يعتبر حتى هذه اللحظة أبرز نتائج هذه الاضطرابات من الناحية السياسية.

ويبقى من المؤسف أن نلاحظ أن هذه النتيجة لم تعكس تعاطياً مع الأسباب الكامنة وراء التوترات الاجتماعية ومع الحاجة إلى إصلاحات أعمق. فأحد أهم التظلمات التي تقف وراء هذا الحراك الاجتماعي، خاصة في المناطق الداخلية والجنوبية من البلاد، يكمن في أن تونس تظل ممزقة إلى قسمين من الناحية الاقتصادية. إذ إن الائتلاف الحاكم قد كرس هيمنة النخبة الاقتصادية المنحدرة من العاصمة والسواحل بدلاً من التصدي لها، فيما تظل باقي مناطق البلاد تعيش في معظم الأحيان على الاقتصاد غير النظامي والمتاجرة في السلع المهربة.

كما أن كثرة المساطر الاقتصادية والغموض الذي يكتنفها – إضافةً إلى طريقة تعامل الموظفين الحكوميين المكلفين بتطبيق هذه المساطر، والذين ينحدرون عادة من مناطق ميسورة ويستفيدون من عدد من الامتيازات – كلها أمور تساهم في ترسيخ شبكات المحسوبية على المدى البعيد. إضافةً إلى ذلك، فإن حركة “النهضة”، ورغم دورها التاريخي في المعارضة السياسية والدعم الذي تحظى به في الجنوب، قد سعت إلى ترسيخ هذه الشبكات بدلاً من التصدي لها. بالمقابل، فإن فاتورة الأجور الحكومية المتعاظمة – والناجمة عن سياسة استحداث وظائف الخدمة المدنية بعد 2011 – تستأثر بنصف الميزانية، متسببةً بذلك في الحد من الموارد المالية المتاحة لمشاريع التنمية وللاستجابة لحاجيات المناطق التي طال إهمالها.

وإذا كانت الاحتجاجات قد توقفت الآن بعد حملة من الاعتقالات وإقبال الحكومة على سلسلة من التنازلات، فإنه لا زال يتعين التعامل معها بجدية واعتبارها ناقوس إنذار يحذر من استمرار الانقسامات والهشاشة السوسيو-اقتصادية في البلاد. ذلك أن استراتيجية شراء السلام الاجتماعي مقابل التنازلات الاستعجالية لن تؤدي إلى جبر الانقسام الهيكلي الذي يعرقل التقدم الديمقراطي في تونس. ما يجب على تونس التركيز عليه هو الإصلاحات التي تفتح الاقتصاد النظامي في وجه القادمين الجدد من المناطق الداخلية والجنوبية. غير أن النخب الاقتصادية تسعى جاهدة لحماية مصالحها، فهي تتحكم في معظم الشركات الخاصة وفي جزء كبير من النظام المصرفي، كما أنها حاضرة في مجالس إدارة معظم المؤسسات العامة والخاصة. علاوةً على ذلك، تحافظ هذه النخب على شبكات المحسوبية داخل وزارات الداخلية والعدل والمالية، وداخل الأحزاب السياسية الرئيسية، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والقضاء. وإذا استمر الحال على ما هو عليه، سيكون من المستحيل بالنسبة لتونس تحقيق تحول كبير في بناء الثروة في المناطق المهملة تاريخياً. وكنتيجة لذلك، سيكون لدى الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين المستائين من الوضع القائم حافز لدعم الاضطرابات، وبشكل عام، مبررات للعمل ضد دولة يشعرون أنها لا تمثلهم.

هذا وقد أبدى بعض أعضاء النخبة الاقتصادية استعدادهم لإجراء محادثات مع ممثلي الطبقة الناشئة من المناطق الداخلية والجنوبية لأنه، كما جاء على لسان أحد رواد الأعمال، “إذا غرقت السفينة، فإننا سنغرق معها جميعاً”. لكن البعض الآخر أقل استعداداً للقيام بأي تنازلات، وتداعبهم فكرة عودة نظام استبدادي يحفظ النظام الاجتماعي والإقليمي القديم. مقامرة خطيرة كهذه ستؤدي إلى مزيد من الاضطرابات العنيفة وإلى انحراف تونس عن مسار الانتقال الديمقراطي.

وإذا فشلت تونس خلال السنوات القليلة المقبلة في فتح الاقتصاد ومعالجة الإهمال التاريخي الذي يطال نصف البلاد، فلن ينفع عندئذ لا سياسة ولا تخطيط اقتصادي في إيصال البلاد إلى بر الأمان المنشود.

يشرف إيساندر العمراني على مشروع شمال إفريقيا التابع لـ«مجموعة الأزمات الدولية»، فيما يشغل مايكل بشير العياري منصب محلل أول متخصص في الشأن التونسي لدى «مجموعة الأزمات الدولية».

AFP PHOTO / FETHI BELAID