تركيا تتفاوض مع الولايات المتحدة وروسيا قبل التوغل في سوريا

نيكولا ميكوفيتش

Image courtesy of Adem Altan / AFP

مع تركيز اهتمام العالم على الحرب الروسية في أوكرانيا، تستعد تركيا لشن “عملية عسكرية خاصة” في شمال سوريا، ويبدو أن أنقرة تستغل الصراع في أوروبا الشرقية لتحقيق أهداف استراتيجية في الشرق الأوسط.

وليس سراً أن تركيا تهدف إلى إنشاء منطقة عازلة بعمق 30 كيلومترًا على حدودها مع سوريا، ولكن للقيام بذلك، سيتعين على الرئيس رجب طيب أردوغان الحصول على الضوء الأخضر من حليفه في  الناتو وهي  الولايات المتحدة، بالإضافة إلى موافقة ضمنية على الأقل من عدو أمريكا وهي روسيا.

وتخطط القوات التركية للاستيلاء على بلدات تل رفعت وكوباني وعين عيسى ومنبج شمال سوريا، وفي الوقت الراهن، تخضع المنطقة لسيطرة وحدات حماية الشعب (واي بي جي) التي يسيطر عليها الأكراد، والتي تعتبرها تركيا منظمة إرهابية وامتدادًا لحزب العمال الكردستاني المحظور (بي كي كي)، ومشكلة أردوغان هي أن واشنطن ترى وحدات حماية الشعب كقوة حليفة ضد مقاتلي داعش، فهل ستخون الولايات المتحدة الأكراد مرة أخرى؟

وتشير التعليقات الأخيرة للمتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية “نيد برايس” إلى أن الولايات المتحدة وتركيا لم تتوصلا بعد إلى اتفاق نهائي حول شمال سوريا، حيث قال برايس: “نحن ندرك مخاوف تركيا الأمنية حول حدودها وهي مخاوف مشروعة، كن مرة أخرى، نشعر بالقلق من أن أي هجوم جديد من شأنه تقويض الاستقرار الإقليمي بشكل أكبر.”

وبالنظر إلى أن واشنطن لا تريد أن يقف أردوغان حجز عثرة أمام انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو، فمن المحتمل تمامًا أن توافق الولايات المتحدة قريبًا بشكل غير مباشر على التوغل العسكري التركي في شمال سوريا.

ومن غير المرجح أن تستطيع القوات الكردية الصمود أمام القوة المشتركة للقوات المسلحة التركية ووكلائها من معقل المتمردين السوريين المتبقيين في إدلب من دون دعم خارجي، وإذا لم تمنع الولايات المتحدة تركيا من شن عملية عسكرية في المنطقة، فمن شبه المؤكد أن الأكراد سيفقدون السيطرة على جزء كبير من الأراضي ذات الأهمية الاستراتيجية.

ولكن من المشكوك فيه ما إذا كان الجيش التركي سيسيطر على “منبج” وهي بلدة تقع على تقاطع طرق رئيسي على الطريق السريع بين الغرب والشرق في سوريا والمعروف باسم M4، بسبب أن الجيش الروسي هو الذي يقوم بدوريات على طول ذلك الطريق، فمن غير المرجح أن تهاجم تركيا منبج ما لم تحاول أولاً عقد صفقة مع الكرملين حول ذلك.

ومن المنظور الروسي، سيكون هناك نوعًا من “تبادل الأراضي” حيث سيكون الخيار الأفضل أخذ منبج نضير جبل الزاوية في إدلب، ولكن نظرًا لوضع روسيا الضعيف على الساحة الدولية، وانشغالها بالفشل العسكري المستمر في أوكرانيا، فمن غير المرجح أن توافق تركيا على إجراء مثل ذلك التبادل، وبدلاً من ذلك، يمكن أن تطلب أنقرة تنازلات اقتصادية معينة من موسكو، مثل خصم على اسعار الطاقة والحبوب الروسية، نضير عدم الاستيلاء على منبج.

ولا تسمح عزلة روسيا للكرملين بوضع أي شروط على تركيا، مما يعني أن صفقة محتملة مع أردوغان ستأتي لا محالة لكن ستدفع موسكو ثمن باهظ للغاية.

وتشير التقارير إلى أن روسيا أعادت مؤخرًا نشر بعض قواتها التي كانت متواجدة على الأراضي السورية في أوكرانيا، والأهم من ذلك، أن زعم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأن “القوات الروسية في سوريا لم يتبق لها أي مهام عسكرية تقريبًا” حيث يشير ذلك التصريح بوضوح إلى أن ما يحدث في سوريا، على الأقل في الوقت الحالي، ليس من أولويات موسكو، وبالنسبة للكرملين، فمن المهم جدًا تجنب تصعيد جديد في المنطقة، والحفاظ على علاقات جيدة نسبيًا مع تركيا خاصة في هذه المرحلة.

وبناء عليه، فليس من المستبعد أن تغض روسيا الطرف عن توغل تركي جديد في سوريا، على الرغم من أن مثل هذه الخطوة ستمثل إذلالًا آخر للكرملين على المسرح الدولي، على الرغم من أن روسيا تعمل كحليف رئيسي للرئيس السوري بشار الأسد، إلا أن موسكو في الواقع لا تستطيع ضمان سيادة سوريا وسلامة أراضيها، وسيكون النهج السلبي فيما يتعلق بالعمليات التركية في شمال البلاد دليلًا آخر على النفوذ التركي على روسيا.

ومن الناحية النظرية، يمكن لروسيا تقديم “رد متماثل” على الإجراءات التركية من خلال دفع جيش الأسد العربي السوري لشن هجوم عسكري في إدلب، لكن المشكلة تكمن في أنه من غير المرجح أن تحقق قوات الأسد أي مكاسب كبيرة في تلك المحافظة حيث عززت تركيا وجودها العسكري، وتستمر في دعم قواتها بالوكالة، وهي الجيش الوطني السوري.

وقد توارد في الأخبار أن روسيا أرسلت طائرات مقاتلة ومروحيات حربية إلى قاعدة قريبة من الحدود مع تركيا، وذلك رداً على إعلان أردوغان عن شن عملية عسكرية في شمال سوريا، ويمكن تفسير هذه الخطوة على أنها رسالة من الكرملين إلى أنقرة، لكن تركيا تعرف تمامًا مستوى الأداء العسكري الضعيف للغاية لروسيا في أوكرانيا، فضلاً عن الموقف الجيوسياسي غير المناسب لروسيا، وبالتالي فإن تلك الخطوة من موسكو ستُعتبر تهديدًا فارغًا لن يؤثر على خطط تركيا العسكرية.

سيعتمد مصير الأكراد السوريين إلى حد كبير على الولايات المتحدة، وليس على روسيا، فإذا وافقت الولايات المتحدة على الإجراءات التركية، فستحكم أنقرة سيطرتها على أجزاء كبيرة من شمال سوريا، وفي المستقبل، ستكون تركيا قادرة على استخدام المنطقة كأداة ضد الأسد في دمشق وضد حليفته روسيا، وذلك من خلال وكلائها من المتمردين السوريين.

 

نيكولا ميكوفيتش هو محلل سياسي في صربيا، ويركز عمله في الغالب على السياسات الخارجية لروسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا، مع اهتمام خاص بالطاقة و “سياسات خطوط الأنابيب”.