العلاقات الأمريكية – التركية تشهد تحسُنًا، ومن الآن يراقب الجميع الاقتصاد

عمر تاسبينار

خلال ذروة الأزمة الاقتصادية التركية الصيف الماضي، قام الرئيس رجب طيب أردوغان بإلقاء اللوم على الولايات المتحدة فيما يخُص تلك الأزمة، التي شهدت انخفاض قيمة الليرة التركية بشكل كبير، وادّعى أردوغان أن الولايات المتحدة أعلنت الحرب التجارية عبر فرض عقوبات اقتصادية على أنقرة، ردًا على احتجاز تركيا للقس الأمريكي “أندرو برونسون”، وبالتزامن مع تجديد شعار القومية، فإن خطاب أردوغان الذي يتضمن هجومًا على واشنطن لقي الكثير من المصداقية لدى المواطنين الأتراك، الذين كانوا يشاهدون بقلق انخفاض القوة الشرائية وتأثر مستوى المعيشة بسبب انهيار الليرة التركية.

لكن هذا حدث في أغسطس، والآن فإن هناك أخبارًا جيدة وأخرى سيئة، والأخبار الجيدة تتمثّل في أن العلاقات الأمريكية – التركية شهدت تحسُنًا ملحوظًا على مدار الأسابيع القليلة الماضية، والأخبار السيئة هي أن الاقتصاد التركي لا زال يعاني من ورطة حقيقية، وعلى ما يبدو، فإن التحسُن الذي شهدته العلاقات بين واشنطن وأنقرة لم ينعكس بالإيجاب على الاقتصاد التركي، أما أردوغان الذي يشعر بالانزعاج فقد بات عليه البحث عن كبش فداء كي يتحمّل مسئولية الوضع الصعب الذي وصل إليه الاقتصاد التركي.

لكن كيف ولماذا شهدت العلاقات يبن واشنطن وأنقرة تحسُنًا في الوقت الحالي؟، والديناميكية بدأت تعمل في الاتجاه الصحيح حين قامت تركيا بإطلاق سراح القس الأمريكي “أندرو برونسون”، وهو الذي قضى عامين في السجون التركية بسبب اتهامات ملفقة، وقد رضخ أردوغان بعد أن أعطى الأولوية للواقعية على العناد، وقد كان هدف أردوغان من احتجاز “برونسون” يتمثّل في الضغط على واشنطن من أجل تسليم “فتح الله جولن”، وهو الشيخ الذي يتهمه أردوغان بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في العام 2016، لكن لو لم تتزحزح واشنطن عن هذا الموقف، فإن المأساة التركية ستستمر.

والواقع أن العلاقات بين أردوغان وترامب عادت قوية، وذلك لأن أنقرة قامت بإطلاق سراح القس الذي ينتمي للطائفة البروتستانتية قبل وقت قليل من انطلاق انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، وفيما يخُص عامل الوقت أيضًا فقد كان واضحًا أن ترامب على استعداد لسحب الأطقم الدبلوماسية والوحدات العسكرية من تركيا بالكامل، إذا لم تقُم أنقرة بالإفراج عن القس “أندرو برونسون”، وقد كانت تلك الأزمة بمثابة أشد الأزمات التي تواجه العلاقات الأمريكية – التركية على مدار التاريخ.

ولكن الآن وبعد انكسار الجليد، فقد بات الطرفان يستمتعان بفترة من العلاقات الجيدة في جميع المجالات، وتركيا بدورها تعُد الطرف الأكثر استفادة من تحسين العلاقات مع واشنطن، أضف إلى ذلك قضية مقتل “جمال خاشقجي”، حيث وجد أردوغان نفسه وفي مقدوره انتزاع 3 تنازلات رئيسية من واشنطن، التي لديها مصلحة في حماية حليفتها المملكة العربية السعودية.

أولًا، تم إعفاء تركيا من الجولة الجديدة من العقوبات المفروضة على إيران، حيث أن تركيا تعتمد على النفط الإيراني تمامًا كما تعتمد على الغاز الطبيعي القادم من روسيا، وتركيا في حاجة ماسة لتلك المصادر.

وثانيًا، فقد أعلنت واشنطن الأسبوع الماضي عن أنها كانت تخصص منح تُقدّر بعدة ملايين من الدولارات لثلاثة من قادة حزب العمال الكردستاني، وهي الجماعة التي كانت كل من واشنطن وأنقرة تتعاملان معها على أنها منظمة إرهابية، وقد رحبت أنقرة بالقرار، وهناك حقيقة مزعجة لأنقرة، ألا وهي أن واشنطن مصممة على الحفاظ على التحالف العسكري مع وحدات حماية الشعب الكردية وهي القوة المناوئة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والمعروف أن وحدات حماية الشعب الكردية هي جماعة موالية لحزب لعمال الكردستاني في الشمال السوري، وطالما استمر الوضع هكذا، فإن الأكراد سيظلون شوكة في حلق أنقرة.

وأخيرًا، وبعد المحادثات التي أجراها الأسبوع الماضي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعلن أردوغان أنه يتوقع أن تقوم وزارة الخزانة الامريكية بإلغاء الغرامة الكبيرة التي كانت قد فرضتها على بنك “خلق” Halkbankبسبب معاملات البنك مع إيران التي تخالف العقوبات الامريكية السابقة على طهران، وأن أردوغان يتوقّع أن تقوم واشنطن بتلك الخطوة ولو بشكل مؤقت.

وتعد تلك  الاخبار سعيدة بالنسبة لأردوغان، لكن المشكلة تكمن في أن أردوغان بات عليه أن يقدم تفسيرًا لعملية استمرار المشكلات الاقتصادية، ونسبة التضخم التي وصلت إلى 25% وهي نسبة لا يمكن تخيلها، كما أن التضخم بات سببًا للبطالة المتنامية والإفلاس، ومُعظم رجال الاقتصاد يعتقدون أن تركيا لن تستطيع تفادي الوقوع في براثن مزيج من الركود الاقتصادي وارتفاع التضخم، مما سينتج عنه كارثة “الركود التضخمي”، وقد تم رفع معدلات الفائدة مؤخرًا، لكن محاولات البنك المركزي التركي للقضاء على التضخم كانت غير فعالة كما أنها جاءت متأخرة.

ومأزق أردوغان يكمن في أنه لن يستطيع الاستمرار في إلقاء اللوم على القوى الخارجية فيما يتعلّق بالأزمة التي تعانيها بلاده، حتى العلاقات بين أنقرة والاتحاد الأوربي تحسنت، لذا لا يوجد هناك من ورقة يمكن لأردوغان استخدامها من أجل التخويف، وفي الواقع فإن الاتحاد الأوروبي يريد الإبقاء على اللاجئين الفارين من الحرب الأهلية السورية داخل الأراضي التركيا، كما أنه يريد التعاون من جانب أردوغان في هذا الإطار، ومن أجل هذا الهدف تم استقبال أردوغان في ألمانيا خلال زيارة رسمية، وخلال تلك المقابلة أعلنت المستشارة الألمانية “آنجيلا ميركل” أن برلين على استعداد لتوسيع حزمة المساعدات المقدمة إلى تركيا لمساعدتها على مواجهة المشكلات الاقتصادية.

ومن المقرر إجراء الانتخابات المحلية التركية في مارس، ويجب على أردوغان أن يفوز في المدن الكبيرة خاصة اسطنبول وأنقرة، وعليه أن يفوز في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها الأتراك، لذا لن تكون هناك مفاجأة إذا ما لجأ أردوغان إلى التوسُع المالي عبر رفع رواتب ونفقات القطاع العام.

وهذا سيؤدي بالتبعية إلى زيادة الركود التضخمي، وفي المقابل سيؤدي بأردوغان إلى تجديد عملية البحث عن عدو خارجي وهمي.

وأردوغان ليس مضطرًا لأن يذهب بعيدًا، وعلى الرغم من أن العلاقات بينه وبين الولايات المتحدة صارت أفضل، إلا أن تلك العلاقات مليئة بالصعوبات التي يمكن لأردوغان استغلالها، وهناك إحدى القضايا التي تقلق واشنطن ألا وهي قرار أنقرة المتعلق بشراء منظومة دفاعية روسية مضادة للصواريخ، ومن المقرر تسليم تلك المنظومة خلال الصيف القادم، وقد كان الكونجرس الأمريكي قد أعلن عن رفضه لقيام دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) بشراء تلك الأسلحة، وليس من المهم هل يستمر الضغط  الأمريكي حتى مرحلة فرض العقوبات، وبالنسبة للأتراك فهُم يعلمون بوضوح أن ترامب يستطيع الإقدام على مثل تلك الخطوة، وحينها سيتم دغدغة مشاعر أصحاب التيار القومي عشية الذهاب إلى صناديق الاقتراع في مارس، والمسألة لا تتعلّق بالاقتصاد فقط، ومن الغباء تكرار الشعار الذي استخدمه بيل كلينتون خلال حملته الرئاسية القديمة، بل أن الأمر يتعلّق بالشخص الذي سوف تلقي عليه اللوم إذا ما اتجهت الأمور إلى الأسوأ.

HO/TURKISH PRESIDENTIAL PRESS SERVICE/AFP