أردوغان يتعامل مع البنك المركزي التركي على أنه الطرف الساذج خلال الأزمة الاقتصادية

عمر تاسبينار

أدّى قرار البنك المركزي التركي في الثالث عشر من سبتمبر برفع معدلات الفائدة بنسبة ضخمة من 6.25% إلى 24% كان بمثابة مفاجأة بين أوساط المحللين، وبعد كل ذلك، وقبل دقائق معدودة من إعلان القرار أعلن الرئيس التركي مجدداً أمام مجموعة من رجال الصناعة الأتراك عن معارضته التي اشتهر بها لرفع معدلات الفائدة بنسبة كبيرة مما سيؤدي بالتبعية إلى ارتفاع التضخُم، وقد رأى البعض الخطوة “الجريئة” التي أقدم عليها البنك المركزي التركي على أنها عودة إلى الاستقلالية والحكمة فيما يخُص السياسة المالية، وتلك رؤية خاطئة، والبنك المركزي التركي ربما لا زال نابضاً بالحياة، لكن الاحتفالات باسترداده لعافيته هي احتفالات سابقة لأوانها، ومن السذاجة أن نعتقد أن قرار لجنة السياسة المالية كان بمثابة مفاجأة لأردوغان، بل ان هذا الاعتقاد يوضح مدى القصور في فهم سياسة أردوغان.

والواقع أن فك رموز حقيقة ما يجري يتطلّب المزيد من السخرية على الرغم من واقعية الأسلوب، ولا يمكن للبنك المركزي التصرُف دون استئذان أردوغان والإذعان له، وبدلاً من دخول البنك المركزي مرحلة استقلالية جديدة؛ فنحن بالفعل قد دخلنا مرحلة جديدة وشكل جديد من العشوائية وسط الأزمة الاقتصادية التركية.

ونحن نرى أن تراجُع الاقتصاد التركي الآن بات أمراً لا مفر منه، فقد قرّر أردوغان ببساطة التنصُل من المسئولية عبر إلقاء اللوم على البنك المركزي وإصراره على رفع سعر الفائدة، وسوف يبحث أردوغان عن تبرئة نفسه سياسياً، حيث أنه من المبكر جداً لقرار البنك المركزي أن يسهم في انهيار العملة التركية، لكن المظهر الزائف لاستقلالية البنك المركزي الذي نتج عن قرار رفع سعر الفائدة هو كل ما يحتاجه أردوغان من أجل جعل البنك المركزي كبش فداء فيما يخُص الحلقة المُفرغة التي دخل فيها الاقتصاد التركي.

وسوف تكون شيطنة البنك المركزي بمثابة الاستراتيجية التي سيتبعها أردوغان من أجل الفوز في الانتخابات المحلية المقرر لها مارس من العام القادم، وقد باتت تلك النقطة تحظى بأهمية بالغة بعد أن أدرك أردوغان مؤخراً ضرورة التخفيف من حدة لهجته تجاه الغرب، وقد باتت تركيا في حاجة إلى الغرب؛ سواء فيما يخُص المعركة القادمة في “إدلب” السورية، أو فيما يتعلّق بالحصول على دعم صندوق النقد الدولي أو المساعدات المالية من أوربا.

لكن أردوغان لا يزال الرجل الذي لا يمكن أن يعلن الهزيمة دون خوض القتال، ولا يزال الرجُل مصمماً على رفض تحمُل مسئولية اندلاع وتفاقُم الأزمة المالية والاقتصادية التي تمر بها تركيا، بل على العكس فإن أردوغان على يقين من أن تركيا تحتاج إلى الإسراع في التنمية مع تقليل تكاليف الاقتراض وأن ذلك سوف يؤدي إلى تقليل التضخُم (دون تقديم الدليل على ذلك)، وتلك الاستراتيجية بالطبع تخدم أجندة اقتصادية وسياسية تقوم على تمويل مشروعات القطاع العام بشكل مُبالغ فيه، كما أن انخفاض أسعار الفائدة سيحمي ديون المستهلكين وسيجعل الحصول على القروض العقارية أسهل بالنسبة للطبقة الوسطى التي تمثل جمهور الناخبين بالنسبة لأردوغان، وهو عبارة عن أداء اقتصادي يعتمد على الإنفاق العام والاستهلاك المحلي. والواقع أن انخفاض تكاليف القروض والاستقرار السياسي كانا بمثابة السر وراء النجاحات الانتخابية التي حققها أردوغان على مدار 15 عاماً.

وما يمكن له أن ينقذ أردوغان هو سياسة التذرُع الي تعُد تكملة لحالة العناد التي يبديها الرئيس التركي، وربما أدرك أردوغان أن التضخُم مع الركود الاقتصادي سيؤديان إلى الركود التضخمي مما سيؤدي بالتبعية إلى إنهاك الاقتصاد التركي بشكل كبير، وعقب قيام أردوغان بتأمين الفوز في الانتخابات الرئاسية التي جاء توقيتها بارعاً الصيف الحالي فقد بات في يد أردوغان بعض المال السياسي كي ينفقه، لكن مع اقتراب الانتخابات المحلية فإن هناك حدوداً للفاعلية الاقتصادية التي من الممكن لأردوغان ان يتخلّى عنها، وأردوغان لن يستطيع أن يتحمل خسارة بلدية اسطنبول، وهي إحدى المدن التركية الضخمة التي يبلُغ تعدادها 20 مليون نسمة ومصدر الرعاية للسياسة والاقتصاد في تركيا.

وإذا ما أراد أردوغان القبول بواقع التراجُع الاقتصادي فإن عليه أن يتجنّب المسئولية الشخصية، وتعتمد استراتيجية أردوغان حتى الآن على إلقاء اللوم في جميع الأزمات على قوى خارجية خاصة الولايات المتحدة وأوربا، لكن الاتحاد الأوربي وتحديداً ألمانيا قام مؤخراً بإعلانها صراحة بان الاتحاد لن يترك تركيا تفشل، وقد دخلت أوربا اللعبة، ومُعظم ديون القطاع الخاص قصيرة الأجل والتي تبلُغ 250 مليار دولار هي مبالغ مستحقة لبنوك ألمانية وفرنسية وإسبانية وهولندية، وقد أعلن وزيرا المالية والخارجية الألماني أن برلين على أهبة الاستعداد لدعم تركيا، لذا فإن أية محاولة لشيطنة أوربا الآن ستبدو غريبة، وفي ذات الوقت فإن هناك كارثة مقبلة في منطقة إدلب السورية حيث يتقارب هناك الموقف التركي مع واشنطن أكثر من موسكو وطهران، تلك الكارثة من الممكن أن تزيد من المشاحنات بين تركيا والولايات المتحدة.

وباختصار فإن أردوغان بات في حاجة إلى إعادة تقييم الوضع والتخلّي عن إلقاء اللوم على الغرب، وهو ما دفع الرجُل إلى جعل البنك المركزي كبش فداء، ودون ارتكاب أخطاء فإن أردوغان لا يريد أن يفلت الاقتصاد التركي من قبضته، وحقيقة قيام أردوغان بتعيين نفسه رئيساً لصندوق الثروة السيادي التركي الذي يسيطر على 200 مليار دولار من الأصول الداخلية تلك الحقيقة باتت تؤكِد على أن الرجل يصر على السيطرة على الاقتصاد بطرق أخرى.

وباختصار، وبتوقع حدوث المزيد من العشوائية، فقد قام أردوغان بتغيير الهدف حيث أصبح مؤسسة داخلية بدلاً من عدو خارجي، وحقيقة عدم استفادة الليرة التركية من المكاسب الأولية التي تحققت بعد رفع سعر الفائدة تعني أن السوق يتفهّم أردوغان أكثر من اي شخص آخر.

“عمر تاشبنار” هو زميل بارز بمعهد بروكينغز، ويعمل أستاذاً في استراتيجية الأمن القومي بجامعة الدفاع الوطني بواشنطن.

AFP PHOTO/ADEM ALTAN