الديمقراطية التركية تستفيق على ترنح أردوغان الذي لا يقهر

عمر تاسبينار

AFP photo: Ozan Kose

السؤال الأكثر إلحاحًا في السياسة التركية – منذ أن دخلت البلاد مرحلة غير مسبوقة من الاستبداد المدني بعد اندلاع احتجاجات ميدان تقسيم في العام 2013 – هو سؤال وجودي حول الديمقراطية، وهو: هل للانتخابات أهمية؟، وبتعبير أدق، هل سيتخلى الرئيس رجب طيب أردوغان عن السلطة بسبب نتائج الانتخابات؟

في وقتٍ يبدو فيه أن تركيا تقترب أكثر نحو الديكتاتورية، كانت ثمة مخاوف مشروعة من أن حكم أردوغان أصبح دائمًا. ولهذا، سيظل الأحد الماضي – 31 مارس 2019 – شاهدًا على نقطة التحول التي شهدها الشارع التركي، حيث التف ملايين الأتراك حول شاشات التلفاز الخاصة بهم لمشاهدة نتائج الانتخابات المحلية في جميع أنحاء البلاد، والتي أظهرت أن الديمقراطية التركية – أو ما تبقى منها – لا تزال نابضة.

وكان مبرر هذا التشاؤم هي الحملة القمعية الوحشية ضد أحزاب المعارضة، وسلسلة الانتصارات التي حققها حزب العدالة والتنمية (العدالة والتنمية) على مستوى الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية خلال الفترة من العام 2014 إلى 2018. ولم تكن الانتخابات التركية في عهد أردوغان حرة أو نزيهة. ولأن حزب العدالة والتنمية وأردوغان يسيطران على وسائل الإعلام، فهناك قيود على حرية التعبير والتجمع، فضلاً عن أن زعيم المعارضة الأكثر تاثيرا قابع خلف القضبان.

ولم يقتصر الأمر على هذا فحسب، فمن الممكن تزوير الانتخابات، وهو ما اتضح من المخالفات التي حدثت خلال استفتاء عام 2017 والذي أسس للنظام الرئاسي. وفي ظل هذه الظروف، بدا أن استبداد أردوغان لن يزعزعه انتخابات، ومحصنًا ضد تقلبات صندوق الاقتراع.

وفي الحقيقة تشكل خسارة حزب أردوغان للعاصمة أنقرة في حد ذاتها تطورًا بالغ الأهمية. ولكن الأكثر أهمية هو أن اسطنبول – الصورة المصغرة لتركيا ومعقل أردوغان منذ عام 1994 – قد سقطت أيضًا في قبضة المعارضة، وإن كان ذلك بهامش بسيط جدًا. وبذلت كلٌ من وكالة أنباء الأناضول المملوكة للدولة، والمجلس الانتخابي قصارى جهدهما لإخفاء النصر الواضح للمعارضة في اسطنبول عشية الانتخابات. إن فوز المعارضة بفارق بسيط في إسطنبول هو بمثابة زلزال سياسي والذي سيؤدي لا محالة إلى تعرض الناخبين الذين فقدوا الأمل في الانتخابات إلى صدمات لاحقة.

وكل هذا يثبت أن صندوق الاقتراع لا يزال ذو أهمية في تركيا. لقد حول أردوغان هذه الانتخابات المحلية إلى استفتاء وطني على الأمن القومي والبقاء في منصبه، وذلك في ظل خطابه المثير للقلق والعدائية عن القومية المعادية للغرب والأكراد، كما أنه تطرق إلى وصف خصومه بأنهم “متعاطفين مع الإرهاب”.

بيد أن تلك الخطط لم تؤتي ثمارها. فبدلاً من التركيز على أعداء أردوغان الوهميين، فضل الناخبون الأتراك في جميع المدن الكبرى تقريبًا التركيز على شيء أكثر واقعية ووضوحا، وهو: التضخم والبطالة والركود الاقتصادي والانخفاض الكبير في مستويات المعيشة. وباختصار، أثبت القول المأثور، “إنه الاقتصاد أيها الغبي”، صحته مرة أخرى.وحقيقة أن أردوغان قد فقد أنقرة وإسطنبول، بعد 25 عامًا من السيطرة الفعلية على هاذين الرمزين للسلطة السياسية والمالية، ستمنح الأمل للجيل الشباب من الأتراك الذين لم يروا سوى انتصارات أردوغان الانتخابية. كما أثبتت النتائج أيضًا أن تركيا ليست ديكتاتورية. غير أن الحقيقة المؤكدة هي أن تركيا لا تزال دولة استبدادية. ومن الواضح أنه لا يزال من المبكر للغاية الحديث عن إبعاد أردوغان عن الساحة السياسة التركية. ولكن لا شك في أن رجل تركيا القوي قد دخل في المرحلة الأخيرة والأصعب من حياته السياسية.ويجب أن يعتبر أردوغان نفسه محظوظًا لأنه لن يواجه انتخابات أخرى لمدة أربع سنوات ونصف. ومع ذلك، فإن الوضع المالي المتدهور سيقوض نفوذ حزب العدالة والتنمية، لأن الإنفاق بسخاء سيكون أكثر صعوبة في أوقات الشدة الاقتصادية. وقد تحاول الحكومة المركزية الاعتماد على ثروات بلديات إسطنبول وأنقرة وإزمير وأضنة ومرسين، غير أن إفقار نصف سكان تركيا لن يكون إستراتيجية رابحة للدورة الانتخابية المقبلة لعام 2023.بالإضافة إلى الاقتصاد الذي يواجه تحديًا هائلاً متمثلاً في الركود التضخمي، ويعيش أردوغان أيضًا فترة عصيبة للغاية في علاقات تركيا مع الغرب، حيث تشعر كلٌ من واشنطن وبروكسل بعدم الرضا عن أنقرة بسبب رغبة أردوغان في شراء نظام الدفاع الصاروخي الروسي، والتدهور الممنهج لسيادة القانون في تركيا. والسبب الوحيد الذي يدفع الشركاء الغربيون إلى التعاون مع أردوغان هو أنه، فيما يبدو، أفضل الخيارات المتاحة. وهذا هو السبب في أن نتائج الانتخابات تأتي في وقت صعب بالنسبة لأردوغان، لأنه يحتاج إلى تقديم نفسه رجل الدولة القوي والذي لا ينازعه أحد.ولكن مع وجود أنقرة وإسطنبول في قبضة المعارضة، إلى جانب المدن الرئيسية الأخرى في البلاد، فإن هالة أردوغان التي لا تقهر قد انتهت، فها هو حزب الشعب الجمهوري، أبرز أحزاب المعارضة، يعود في نهاية المطاف إلى الحياة السياسية، وليس هذا فحسب، بل هناك أيضًا احتمال قوي بوقوع انقسامات داخل حزب أردوغان نفسه. وهناك شائعات عن أن وزير المالية السابق علي باباجان، والذي اعتبره الكثيرون مهندس الأداء الاقتصادي القوي لحزب العدالة والتنمية في الفترة ما بين 2003 و 2008، سيؤسس حزب سياسي جديد من يمين الوسط بمباركة من الرئيس السابق عبد الله جول.وبينما يضمد أردوغان جراحه، من المحتمل أن يركز أيضًا على الاقتصاد. وتتعرض الليرة التركية فعليًا لضغوط اقتصادية، حيث خسرت “2%” من قيمتها في اليوم التالي للانتخابات، ويتكهن المستثمرون بأن البنك المركزي قد أنفق معظم احتياطياته للدفاع عن عملة البلاد. ويعلم أردوغان أن الوقت قد حان لإجراء إصلاحات اقتصادية هيكلية وتقشفية.والوقت وحده كفيل لإظهار ما إذا كان رجل تركيا القوي، والغارق في حبه للشعبوية القومية، ويحيط به المتملقين من كل جانب، سيمتلك الرؤية والشجاعة لتنفيذ الإصلاحات المؤلمة. ويقف عنصر الوقت في صالح أردوغان، بيد أن سجله المهني ليس كذلك.