الاقتصاد التركي في خطر بسبب سياسات اردوغان

عمر تاسبينار

بعد وقت قصير من إعلان فوز الرئيس رجب طيب أردوغان بسهولة في الانتخابات التي جرت الشهر الماضي؛ اتجهت أنظار الجميع إلى أردوغان، هل سيقوم بانتهاج سياسة إصلاحية والقيام بخطوات لإصلاح الاقتصاد التركي، لكن الواقع أن أردوغان لم ينتظر كثيراً لأجل أن يُظهِر افتقاده للشهامة خلال لحظات النصر وكذا افتقاده للواقعية حال التعامُل مع المشكلات الاقتصادية، وقد أثبتت الحكومة التركية الجديدة هذا الاسبوع صحة الاعتقاد بأن أردوغان سوف يسير على ذات النهج بعد انتصاره في الانتخابات الأخيرة، وتلك تعُد بمثابة أخباراً سيئة بالنسبة للمستثمرين الأجانب الذين كانوا يراهنون على أن أردوغان سيقوم بإصلاحات سريعة فيما يتعلّق بالسياسات المالية والنقدية.

وخلال زيارته إلى لندن التي تمّت في أواخر مايو الماضي وقبل أسابيع قليلة من الانتخابات التركية؛ أدلى أردوغان بتصريحات صادمة بالنسبة للمستثمرين حيث ألقى على مسامعهم تصريحات أتت على العكس مما كانوا يتوقعون حيث قال بوضوح:”بصفتي رئيساً للجمهورية، أصبح لي الحق في توجيه قرارات البنك المركزي”، وكان أردوغان صريحاً أيضاً حين صرّح بأنه بات يملك السيطرة على السياسة النقدية عقب الانتخابات الأخيرة، وقد انعكست تلك التصريحات سريعاً على الأسواق حيث فقدت الليرة التركية 10% من قيمتها خلال 24 ساعة، وتدخّل البنك المركزي في تلك الأزمة سريعاً عبر رفع الفائدة بنسبة 3%.

وكان البعض يشعر بالصدمة من أن أردوغان كان يرمي إلى السيطرة التي تجلب الضرر حين قام بإرسال نائب رئيس الوزراء “محمد سيمسك” إلى لندن، وهو الشخص ذو الباع الطويل في الأسواق وكان عضواً بمؤسسة “غولدمان ساكس” المالية، لكن هؤلاء باتوا لا يشعرون بالصدمة، حيث فاز أردوغان بسهولة، والأهم هو أن الرجل قام بتنفيذ تصريحاته الخاصة بالسيطرة على الأمور الاقتصادية، وخرج “محمد سيمسك” من الوزارة الجديدة، بالإضافة إلى وزير المالية السابق “ناسي أغبال”، وقد كان هذين الاثنين بمثابة الضمانة الخاصة بجذب المستثمرين الأجانب إلى تركيا، حيث كان كل منهما ملتزماً بالإدارة المالية والمبادئ الاقتصادية.

وقد أظهر أردوغان بجرأة كيف أنه ليس بحاجة لتهدئة قلق المستثمرين، وتوصّل أردوغان لقرار سريع يقضي بإنشاء وزارة موحدة للخزانة والمالية، وبحيث يتولّى مسئوليتها صهر أردوغان وخليفته المُنتظر “بيرات البيرق”، وباتت تركيا على اعتاب مرحلة سياسية جديدة تشهد توريثاً للحُكم، والواقع أن “بيرات البيرق” كان يشغل منصب وزير الطاقة في الحكومة السابقة، لكن تعيينه في الحكومة الجديدة يقضي على الآمال الخاصة باستعادة الوعي والمسئولية فيما يتعلّق بالأمور الاقتصادية، ووفقاً للنظام الرئاسي الجديد، بات باستطاعة أردوغان السيطرة بشكل أكبر على السياسة النقدية، ولم يكُن هناك شك في أن أردوغان سيختار شخص ما لهذا المنصب يشاركه وجهة نظره الغير تقليدية والتي تقول أن رفع معدلات الفائدة سيؤدي إلى زيادة نسبة التضخُم.

ولن يكون من المبالغ فيه أن نقول أن رد فعل الأسواق على تشكيل الحكومة الجديدة اتسم بالسلبية، فقد انخفضت الليرة أمام الدولار بنسبة 3% عقب ساعات قليلة من إعلان أسماء الحكومة التركية الجديدة، وهبطت مؤشرات البورصة، وانخفضت التعامُلات المصرفية بنسبة 3.7%، وارتفعت عوائد سندات الخزانة التي تبلُغ مدتها 10 سنوات إلى أكثر من 17%، كما ارتفعت مقايضات العجز الائتماني، والخطوة القادمة ستتمثّل في قيام شركات التصنيف الائتماني بخفض تصنيف الاقتصاد التركي بشكل هائل.

ومع تقدُم صهر أردوغان إلى مركز القيادة، ومع اقتراب إقرار الميزانية الجديدة، فإن الرئيس التركي سيعمل على زيادة الإنفاق من أجل تطوير المراكز الحضرية مثل “اسطنبول” و”أنقرة” و”إزمير” و”أضنة” و”مرسين”، والانتخابات في تركيا لا تنتهي أبداً، والانتخابات القادمة ستكون انتخابات محلية وستجري في مارس من العام 2019، وتعُد اسطنبول بمثابة مركز مؤيدي أردوغان ورعاياه، والواقع أن أردوغان لن يتحمّل أية صدمات اقتصادية خاصة مع اقتراب موعد تلك الانتخابات المحلية.

لذا فإن القليل هُم من يتوقّعون حدوث تغيير جذري في الرابع والعشرين من يوليو عندما يعقد البنك المركزي اجتماعه التالي، ومن المُتوقّع أن يرفض أردوغان أية اقتراحات برفع أسعار الفائدة، وربما يقترح خفض الفائدة بشكل أكبر، وعلى أي حال، ووفقاً للعالم الخيالي الخاص بأردوغان، فإن علاج التضخم يكمن في تخفيض أسعار الفائدة، وكذا فإن أردوغان غير راضِ عن العمل بقطاع البناء والتشييد، وهو المحرك للاقتصاد والعمالة في تركيا، حيث بدأ القطاع في التدهور بسبب زيادة عمليات الرهن العقاري التي تستنزف الكثير من الأموال، فضلاً عن استمرار معدل التضخُم في الارتفاع حيث من المُتوقّع أن تصل نسبة التضخُم إلى 20% بنهاية العام الحالي، وذلك إذا ما استمرت التوجهات الاقتصادية التركية دون تغيير.

وما لم يكُن هناك تغييراً مفاجئاً في الخطط الخاصة بإنفاق مليارات الدولارات على مشروعات البنية التحتية فإن التضخُم سيستمر في الارتفاع، حيث أن هناك مشروع مطار اسطنبول الجديد الذي يتكلّف 11 مليار دولار، وهناك أيضاً مشروع القناة التي تربط بين البحر الأسود وبحر مرمرة بطول 45 كيلو متراً وبتكلفة تبلُغ 13 مليار دولار.

والواقع أن اقتراض أموال المشروعات بالعملات الأجنبية يعني زيادة أعباء الدين بمجرد انخفاض قيمة الليرة التركية، مما يؤدي بالتبعية إلى المزيد من التدهور الاقتصادي، والواقع أن ديون شركات القطاع الخاص في تركيا بلغت 245 مليار دولار، أي ما يساوي ثلث حجم الاقتصاد التركي.

كما أن الخطر الحقيقي يكمن في الديون الخاصة قصيرة الأجل، والتأثير السلبي المُحتمل لهذا الأمر على الكفاءة المالية للبنوك، ومُعظم البنوك التركية تقوم بتقديم القروض بفوائد مناسبة للغاية، ويعود هذا إلى التمويلات قصيرة الأجل التي يتم ضخها بالدولار واليورو ، وذلك على أمل انخفاض معدلات الفائدة في تركيا والخارج لأجل غير مسمى، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن التركية، فقد بدأت كل من أوروبا والولايات المتحدة في رفع سعر الفائدة على القروض، مما يعني معضلة للاقتصاد التركي.

والحقيقة أن الحكومة التركية باتت مُعرّضة للخطر من جانب البنوك الأوروبية التي تُقرِض الأتراك بسخاء، وتلك البنوك تتوقّع أن تعود إلى تركيا بكل قوة، وإذا ما قررت تلك البنوك نفض يدها بشكل مفاجئ، فإن وضع النظام المالي التركي سيصير على المحك، والواقع أن أسوأ الخيارات بالنسبة للأسواق التي تُعاني خللاً هو اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، وقد تعرّضت تركيا لهذا الموقف سلفاً، والآن فإن القرار يعود إلى أردوغان فيما يتعلّق بحماية تركيا من هذا المصير، وإذا ما تم استدعاء صندوق النقد الدولي مجدداً إلى تركيا، فإن اللوم لن يقع سوى على الرئيس التركي.

AFP PHOTO/OZAN KOSE