السياسة الإسلامية لتركيا لا زالت قائمة – حتى بعد تسليم أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بطريقة غير مقصودة

عمر تاسبينار

كيف يمكن لنا أن نفسر واقعة ترحيل أحد أعضاء الإخوان المسلمين مؤخرًا من اسطنبول إلى القاهرة؟، هل قامت الحكومة التركية أخيرًا بتغيير سياستها التي تقوم على مساندة الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين)؟، الإجابة المختصرة: لا.

لكن، وقبل أن نصدر أحكامًا مسبقة، يجب أن نعرف ماذا حدث بالفعل؟. محمد عبد الحفيظ أحمد حسين، مهندس يبلُغ من العمر 27 عامًا، كان واحدًا من 28 شخصًا أدانتهم محكمة مصرية، في العام 2017 بتهمة اغتيال النائب العام هشام بركات في العام 2015، وكان قد هرب إلى الصومال عبر السودان قبل وقت قصير من صدور حكم غيابي عليه بالإعدام، ومن هناك بدأ في البحث عن اللجوء إلى ماليزيا أو تركيا، وحينما وجد أن أسعار تذاكر السفر إلى “كوالا لامبور” باهظة الثمن؛ قرر الذهاب إلى اسطنبول، لكنه لم يستطع الحصول على تأشيرة تركيا من مقديشيو، لأن السفارة لم تكن تسمح بإعطاء تأشيرات للمواطنين المصريين.

وقد كان حسين مثابرًا، وعلى أي حال، قام بشراء تذكرة سفر إلى القاهرة، بحيث تمر الرحلة عبر اسطنبول، وفي السادس عشر من يناير وصل حسين إلى اسطنبول ومعه تذكرة سفر إلى القاهرة في اليوم التالي، وطلب من مصلحة الهجرة التركية إصدار تأشيرة له بالوصول، ومع ذلك فقد أخبرته السلطات التركية بأنه غير مسموح له بالحصول على التأشيرة لأنه صغير السن، حيث أن القانون يحتم على المواطن المصري أن يكون عمره أقل من 18 عامًا أو أكثر من 45 عامًا كي يمكنه الحصول على تأشيرة الوصول الخاصة بدخول الأراضي التركية.

وقد أخبر حسين السلطات التركية وهو في حالة غضب؛ أنه لن يستطيع مواصلة الرحلة إلى القاهرة لأن هناك حكم بالإعدام ينتظره في مصر، ولأن حسين لم يكن يملك دليلًا على صدور حكم بإعدامه؛ أو أي وثيقة قانونية تثبت تعرضه لخطر الإعدام حال عودته لبلاده؛ قامت مصلحة الهجرة التركية – التي لم تكن تعي المشكلات السياسية الناتجة عن القرار – بوضع  حسين في الطائرة المتجهة إلى القاهرة في الثامن عشر من يناير، وقامت السلطات المصرية بالقبض عليه فور وصوله إلى القاهرة.

وحينما نشرت الصحافة التركية عن تلك القضية، تحول الأمر إلى ارتباك شعر به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وقامت حكومته على الفور بفتح تحقيق لكشف ملابسات هذا “الخطأ الفادح”، وخلصت التحقيقات إلى أن ضباط الهجرة الأتراك تعاملوا مع حسين على أنه مجرد محاولة أخرى من محاولات دخول البلاد بصورة غير شرعية، غير عابئين بوضعه السياسي. وبناء على نتائج تلك التحقيقات، فقد أعلنت الحكومة أن حسين لم يكن ليتم تسليمه لو كانت السلطات تعلم أنه عضو بجماعة الإخوان المسلمين، محكوم عليه بالإعدام في بلاده.

والواقع أن موقف أنقرة تجاه مصر وجماعة الإخوان المسلمين لم يتغيّر، ويمكن لنا تحليل الموقف من جانبين، الأول تكتيكي والثاني استراتيجي.

أما بالنسبة للجانب التكتيكي، فإن دعم تركيا للإخوان المسلمين، يساعد أردوغان في تنفيذ سياسته الداخلية المعادية للغرب، وبالنسبة للرئيس التركي؛ فما حدث في صيف العام 2013 حينما تمت الإطاحة بالرئيس المحسوب على الإخوان المسلمين محمد مرسي، ورفض القوى الغربية إدانة تلك العملية، وكان ذلك أفضل سبيل لأردوغان، لكشف المعايير المزدوجة التي تتعامل بها أمريكا وأوروبا فيما يخُص حقوق الإنسان والديمقراطية، والآن؛ حين تصف الصحافة الغربية أردوغان بالديكتاتور؛ يمكن للرئيس التركي اتهامها بالعداء للإسلام.

وأردوغان أيضًا كثيرًا ما يشير إلى أنه فاز في جميع الانتخابات التي جرت منذ العام 2002، وأن مرحلة الوصاية العسكرية في بلاده قد انتهت، وباختصار، فإن جماعة الإخوان المسلمين تعُد مدخلًا جيدًا لنوايا أردوغان الشعبوية المعادية للغرب، ومع اقتراب الانتخابات المحلية التركية المقرر لها الشهر القادم، لا يمكن لنا أن نتوقع من أردوغان تغيير موقفه تجاه مسألة تخص السياسة الخارجية، وتتناغم بقوة مع قاعدة أردوغان الدينية والمحافِظة والقومية.

وبالنسبة للعوامل الاستراتيجية التي تقف وراء دعم أردوغان لجماعة الإخوان المسلمين، فإن منطق أردوغان يعتمد بشدة على المثالية والأيديولوجية، وخلفية أردوغان السياسية تنتمي للإسلام السياسي، علاوة على ذلك، فهو يؤمن بشدة أن الانتخابات الديمقراطية في الشرق الأوسط هي السبيل الوحيد لجلب الانتصارات للإخوان المسلمين، كما أنه يتوقّع – وهو صادق في ذلك – أن تلك الانتصارات سوف تأتي بنصر استراتيجي لتركيا، لأن الأحزاب التي تعتنق توجهات الإخوان المسلمين تعتبر تركيا أردوغان نموذجًا للدولة، كما تعتبر تركيا قائدًا على المستوى الإقليمي.

وطريقة التفكير تلك لعبت دورًا حاسمًا فيما يخُص دعم أردوغان للربيع العربي في دول مثل تونس ومصر وسوريا، وبناء على ذلك، ووفقًا لحسابات أردوغان، فإن ظهور ديمقراطية الانتخابات هي السبيل الوحيد لدعم القوة الناعمة التركية في العالم العربي سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا، وعلى الرغم من أن العثمانية الأردوغانية يتم فهمها على أنها شكل من أشكال الإسلام في المنطقة؛ إلا أنه بالنسبة لمؤيديه فإن استراتيجيته الإقليمية تقوم على مبادئ ديمقراطية.

وكبف يمكن للمرء أن يفسر كل ذلك في ضوء نتائج ملموسة؟، لا يمكن لمحلل عاقل أن يرى أردوغان على أنه شخص ديمقراطي لأنه يساند الإخوان المسلمين، وربما يكون أردوغان محقًا فيما يخُص معايير الغرب المزدوجة، لكن هذا لن يغير شيئًا من الواقع الخاص بكون أردوغان شعبوي مستبد ليست لديه الرغبة في تبنّي الديمقراطية الليبرالية.

والمنطق الواقعي البعيد عن التصورات، يقول أن السياسة التركية ستقوم تركيا في ظلها بإعادة تقويم موقفها من الإخوان المسلمين عبر قبول الحقائق الإقليمية، وإذا ما أراد أردوغان أن يقدم أوراق اعتماده كرجل ديمقراطي، يجب عليه الإقدام على خطوات من أجل دعم الديمقراطية الليبرالية في بلاده، بدلًا من الخطاب الرومانسي الذي يقوم بالتركيز على ضحايا الإخوان المسلمين.

AFP PHOTO/ADEM ALTAN