شراء تركيا منظومة الدفاع الصاروخي الروسية تدفع بعلاقاتها مع واشنطن نحو النهاية

عمر تاسبينار

AFP photo: Alexander Nemenov

تتسم العلاقات الأمريكية التركية في كثير من الأوقات بالدراما التي يتبعها المصالحة. وفي النهاية، تنجح الدولتان عادة في إنقاذ شراكتهما من خلال التركيز على المصالح الإستراتيجية المشتركة. ولكن في السنوات الأخيرة، اختلفت تصورات البلدان عن الإرهاب بشكل متزايد، ولم يعد بالإمكان النظر إلى هذه العلاقة على أنها أمر مسلم به. فهناك تركيا تعيد تقاربها العسكري مع روسيا وهو الأمر الذي يثير قلق واشنطن على وجه الخصوص، كما أن إصرار تركيا على المضي قدمًا في شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسي قد يثبت أنه خطأً تاريخياً له عواقب ذات نقلة نوعية. فإذا مضت أنقرة قدمًا واستلمت منظومة الدفاع الصاروخي الروسي S-400، فلن تضطر أنقرة إلى التخلي فقط عن استلام مقاتلات الشبح الأمريكية طراز F-35، بل عليها مواجهة أيضًا عقوبات عسكرية قاسية بموجب القانون الأمريكي المعروف بقانون “مكافحة أعداء أمريكا من خلال قانون العقوبات”.

ومن المقرر تركيب منظومة الدفاع الصاروخي S-400s في أكتوبر. غير أن إدارة ترامب ما زالت تأمل في تغيير رأي أنقرة عن طريق منحها فرصة لشراء درع الدفاع الصاروخي المتوافق مع سياسة الناتو، بدلاً من منظومة الـS-400s. ومع ذلك، فإن حكومة رجب طيب أردوغان قد فوتت “المهلة النهائية” التي حددتها السلطات الأمريكية لتقرير ما إذا كانت ستشتري منظومة الدفاع الصاروخي “باتريوت” أم لا. ويتوقف العرض الأمريكي على إلغاء تركيا لمشترياتها من منظومة الدفاع الصاروخي الروسي S-400s، وينتهي هذا العرض مع نهاية شهر مارس. “قلنا سابقًا أن تركيا فوتت الموعد النهائي. فهل نهاية مارس هو الموعد النهائي الحاسم؟ //، وبدون أن يرفض العرض الأمريكي علنًا، قال الرئيس “أردوغان” مرارا إنه لن ينسحب من العقد مع موسكو. وكان “أردوغان” قد أجاب مؤخرًا على سؤال يتعلق بالعقد، حيث قال: “تم تنفيذ الصفقة وليس هناك تراجع”، “ولا ينبغي لأحد أن يطلب منا أن ننكث عهدنا”. وفي تحد لتهديدات واشنطن المبطنة نوعًا ما بفرض عقوبات على أنقرة، أشار أردوغان كذلك إلى أن بلاده قد تسعى حتى إلى شراء الجيل التالي من منظومة الدفاع الصاروخي الروسي وهي “S-500”.

وأكثر من يقلق صناع السياسة الأميركيين هو أن تشغيل تركيا لطائرات F-35 في نطاق منظومة الدفاع الصاروخي S-400s سيقوض التكنولوجيا المتقدمة التي تتميز بها مقاتلة الناتو رغم أنها في طليعة العمليات العسكرية. وتحتوي منظومة الدفاع الصاروخي الروسي “S-400s” على رادار متقدم للغاية ولديه القدرة على جمع المعلومات الاستخبارية الإلكترونية. وتعتقد واشنطن أن منظومة الدفاع الصاروخي “S-400s” يمكنها الحصول سراً على معلومات هامة بشكل سري، مثل نطاق الكشف الخاصة بالمقاتلة F-35، ونقل البيانات إلى موسكو. وجاء الرد التركي على المخاوف الأمريكية بأن تركيا لن تسمح للفنيين الروس بصيانة منظومة الدفاع الصاروخي “S-400s”، وأن النظام الروسي لن يتم توصيله بشبكات الناتو، وأكد أيضًا المسؤولون الأتراك لنظرائهم الأميركيين بأنهم سيعيدون صياغة بروتوكول تشغيل منظومة الدفاع الصاروخي لمنع التقاط أي معلومات استخبارية روسية.

ولم تقتنع واشنطن بأيٍ من تلك التأكيدات. ولا يزال البنتاجون قلقًا للغاية من أن المعلومات الحساسة سينتهي بها المطاف في أيدي الروس مهما كانت الإجراءات التي تتخذها السلطات التركية للحيلولة دون هذا الأمر. ومؤخرًا، وجه القائد الأعلى لحلف الناتو، الجنرال كورتيس سكاباروتي، تحذيرًا شديد الوضوح إلى لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي بخصوص استلام تركيا منظومة الدفاع الصاروخي “”S-400S، قائلاً: “النصيحة العسكرية الأفضل هي أننا لن نمضي قدمًا في مسألة طائرات “F-35″، لأن الحليف الذي يستخدم المنظومات الروسية، وخاصة منظومة الدفاع الجوي، يمثل مشكلة لقدراتنا التكنولوجية الأكثر تطوراً.

إذا أصرت تركيا على شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسي، فإن حظر نقل طائرات “F-35” لن يكون سوى المرحلة الأولى من رد واشنطن على هذا الأمر. والأهم من ذلك على مستوى مستقبل العلاقات العسكرية هو فرض عقوبات على تركيا الأمر الذي سيقوض مجمل التعاون الدفاعي الأمريكي التركي. وبعبارة أخرى، هناك عدد لا يحصى من المشاريع التركية التي تعتمد على المعدات الأمريكية والتعاون معها ستتأثر بفرض عقوبات، وذلك وفقًا لقانون “مكافحة أعداء أمريكا من خلال قانون العقوبات”، على العديد من شركات الطيران التركية.

وتنطوي هذه الأزمة، التي تلوح في الأفق، على نقلة نوعية لأنها تظهر بوضوح أن الجيشين التركي والأمريكي لم يعد ينظر كلٌ منهما إلى الآخر على أنه شريك. وبخلاف المشتريات الدفاعية، فإن القرار التركي بشراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسية هو عارضًا لورطة جغرافية – إستراتيجية بالغة: فلم تعد واشنطن وأنقرة لهما نفس المصالح الإستراتيجية والمفاهيم الخاصة بالتهديدات.

وترى أنقرة أن ثمة شراكة بين واشنطن والإرهابيين الأكراد في سوريا. بينما ترى واشنطن أن ثمة تعاون وثيق بين أنقرة والجماعات الجهادية في سوريا. لقد تحولت سوريا إلى كابوس للعلاقات التركية الأمريكية.

وما هو أكثر من ذلك، هو أن كلا البلدين يعملان ضد بعضهما بعضًا. ورغم أن تغير العلاقات لم يتطلب سوى تصرف واحد، إلا أن شراكة كل دولة مع خصم الدولة الأخرى قد أحدثت تحولًا جذريًا في الطريقة التي ينظر فيها كل طرف إلى الآخر.

وبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، لا يوجد تهديد أكبر لاستقرار أوروبا ومستقبل الناتو من روسيا. وبالتأكيد تعرف أنقرة هذا الأمر. ولكن بالنسبة للزعيم التركي القوي، لا يوجد تهديد ينذر بالخطر على بقاء نظامه أكثر من فتح الله غولن – الزعيم الديني الذي يحمله أردوغان مسؤولية التحريض على الانقلاب الفاشل ضده – والقومية الكردية. ونظرًا لوجود “غولن” المستمر في الولايات المتحدة، ودعم الولايات المتحدة للأكراد السوريين، فلا يخفى على أحد أن أنقرة تنظر الآن إلى واشنطن كعدو.

وفي ظل هذه البيئة السامة، تقترب العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا نحو الهاوية، ومن شأن صفقة منظومة الدفاع الصاروخي الروسي S-400، وإلغاء طائرات F-35 أن تدفع باتجاه هذا الأمر. وبدلاً من تحليل مستقبل الشراكة الإستراتيجية التركية الأمريكية، ربما نكتب قريبًا نعيًا لعلاقاتهما العسكرية.