نزاع تركيا مع الاتحاد الأوروبي يُشير إلى ما ستؤول إليه الخلافات مُستقبلًا

Hasan Selim Ozertem

AFP Photo: Turkish Defense Ministry

منذ عقد مضى، لخَّصت تركيا سياستها الخارجية بأنها “لا يوجد لديها أي مشكلة مع جيرانها”. واليوم، أصبحت السياسة الخارجية لتركيا مثقلة بالكثير من المشكلات. ويستند هذا التغيير إلى رغبة رجب طيب أردوغان في أن تمارس تركيا نفوذًا أكبر وأن تكتسب أهمية استراتيجية بارزة؛ وهي خطة مُتعددة الجوانب، يتمثل أحد جوانبها في استعراض أنقرة لقوتها في سعيها لتحقيق مصالحها الاقتصادية. وخلال السنوات الأخيرة، كان سعي أنقرة للحصول على حِصص الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط من أبرز مظاهر تلك الخُطة. مما أدخلها في صدام مع الاتحاد الأوروبي، وهو النزاع الذي يُظهر الاتحاد الأوروبي بمظهر الطرف الأضعف ويُشير إلى ما ستصبح عليه الأمور مُستقبلًا.

تزعم تركيا أنه نظرًا لامتلاكها أطول خط ساحلي في منطقة شرق المتوسط؛ فيجب ألَّا تقتصر سيادتها واستغلالها للموارد البحرية مُستقبلًا على خليج أنطاليا. وتكمن المُشكلة في أنه على الرغم من أن هذا الخط الساحلي الطويل ليس موضِع خِلاف، ولكنه لا يبعد كثيرًا عن الخطوط الساحلية للدول الأخرى. وبغضّ النظر عن المسائل المتعلقة بحجم المنطقة الاقتصادية الخالصة لتُركيا، إلَّا أنها قامت بأنشطة للتنقيب في مناطق متاخمة لحدود اليونان وقبرص، وهو ما أثار حفيظة كل من أثينا ونيقوسيا، وجذب انتباه الاتحاد الأوروبي.

في الواقع، قد تكون النوايا طويلة المدى لأنقرة –على الأقل فيما يتعلق بالغاز الطبيعي الموجود تحت سطح البحر–هي، في نهاية المطاف، توريط الدول الساحلية في الاستغلال المُشتَرَك لتلك الموارد. يُمثل تطوير حقول الغاز وتأسيس بنية تحتية للتصدير أمرًا مكلفًا للغاية، ومن ثمَّ، تُصبح مثل تلك الخطة منطقية للغاية، وهناك تجارب سابقة في المنطقة تشمل إسرائيل ومصر وقبرص، بل إن تركيا أظهرت بالفعل بعض الإشارات العَرَضية لتلك النوايا، لكن أثينا رفضت حتى الآن الشروع في المباحثات ما لم تُعلن أنقرة عن الوقف الاختياري لعمليات التنقيب. وعلى الجانب الآخر، أصرَّت تركيا على عدم وجود شروط مسبقة للبدء في المباحثات.

وهكذا، وصلنا إلى الحالة الراهنة؛ حيث أدت أنشطة تركيا في الحفر والبحوث الزلزالية إلى ظهور مُطالبات داخل الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات عليها. وتريد كل من اليونان وقبرص وفرنسا اتخاذ إجراءات صارمة ضد تركيا. الأمر الذي دفع تركيا إلى إبداء استعدادها للتعاون؛ خوفًا من أن تكون تلك العقوبات مُدمرة لاقتصادها -الذي يترنح بالفعل بسبب ارتفاع مُعدلات البطالة والديون المرتفعة والانخفاض الحاد في قيمة العملة. لذا، قامت مؤخرًا بإعادة سفينة البحوث الزلزالية التابعة لها «عروج ريس» إلى الميناء.

ومع حلول موعد انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي هذا الشهر؛ تمكَّنَت أنقرة من تفادي الضرر نتيجة إبدائها بعض المرونة للتخفيف من حِدة الموقف، فضلًا عن اختلاف دول الاتحاد الأوروبي بشأن اتخاذ أي إجراء ضِد تركيا. وقام الاتحاد الأوروبي بتأجيل قرار فرض عقوبات جديدة على أنقرة حتى مارس المقبل. كان اختيار المجلس الأوروبي للانتظار، من الأساس، لمعرفة قرار الإدارة الأمريكية الجديدة بشأن مجموعة من القضايا الأخرى المُتعلقة بتركيا؛ والتي تشمل إقدام تُركيا، بشكل مُثير للجدل، على شِراء نظام الدفاع الجوي من الصواريخ الروسية إس-400. (يعود سبب إثارة هذا التصرف للجدل، إلى أن تركيا، رغم كل شيء، أحد أعضاء حلف شمال الأطلسي؛ الناتو).

بيد أنه على الرغم من أن وجود “تناغم” واضح بين أردوغان ودونالد ترامب قد سمح لأنقرة بالإفلات من التدابير الصارمة التي اتخذتها الولايات المتحدة على مدار الأعوام الأربعة الماضية، إلَّا أن إصدار مشروع قانون الإنفاق الدفاعي الأمريكي مُؤخرًا تضَمَّن أحكامًا تُحتِّم على الولايات المتحدة فرض عقوبات على أنقرة بسبب نظام صواريخ إس-400. وهناك، في الواقع، احتمال قوي بأن يتخذ جو بايدن موقفًا أكثر صرامة تجاه تركيا.

لذا، فقد يبدو أنه على تركيا أن تتوقع مزيدًا من الحصار. ولكنها بدلًا من التراجع عن موقفها تمادت فيه، وإن كانت تفعل ذلك بحذر. وفي الحادي والعشرين من ديسمبر، بدأ الجيش التركي مُناورات بحرية في البحر المتوسط –سُمّيت مناورات مخلب النمر. وفي اليوم التالي أصدرت تركيا نظام استشارة بحرية يُسمى إخطار نافتكس، للأشهُر الستة القادمة، ويشمل موقع سفينة «عروج ريس» وأنشطتها.

يُمكن استخدام إخطار نافتكس للتحذير من الملاحة في مناطق معينة من البحر، وهو ما يعُد ادعاءً ضمنيًا بالسيادة على تلك المناطق. وفي تلك الحالة، فإن سفينة «عروج ريس» ستقوم بأنشطة المسح الزلزالي في المناطق التركية غير المُتنازع عليها في خليج أنطاليا. وبالطبع قد تختار اليونان التصعيد عبر إصدار إخطار نافتكس خاص بها، وفي تلك الحالة سيكون هناك رد فعل مؤكّد من تركيا، وهو الأمر الذي سيحظى بشعبية كبيرة على الصعيد الداخلي، نتيجة لسياسة أردوغان الداعمة لتأجيج النزعة القومية طوال السنوات الماضية.

ويعتقد خبراء السياسة الأتراك أيضًا أنهم يستطيعون استغلال القيود الهيكلية المفروضة داخل الاتحاد الأوروبي لصالحهم، فليس من السهل تحقيق شرط الإجماع على قرارات الاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة لديها مجموعة مُتباينة من المصالح. وستعتمد الاستراتيجية التركية على استغلال الوقت، والعمل على إثارة نقاط الخلاف بين دول الاتحاد الأوروبي تجاه أي قضية تمس المصالح التركية.

ويمكن لأنقرة كذلك أن تلعب بورقة اللاجئين؛ حيث أن تركيا تستضيف ما يزيد على 3.5 مليون مُهاجر بناءً على بعض الترتيبات مع الاتحاد الأوروبي، وبإمكانها إزالة جميع العوائق التي تقف أمام محاولاتهم العبور إلى أوروبا، مُطلقة بذلك العنان لموجة من المُهاجرين المُتجهين نحو حدود دول الاتحاد الأوروبي. وفي ذات الوقت، تواصل تركيا إقحام نفسها، مثل روسيا، في التطورات التي يشهدها الشرق الأوسط، بدايةً من سوريا وصولًا إلى ليبيا. ويجب على الاتحاد الأوروبي أن يعارض أي مبادرة قد تشجع على توثيق العلاقات بين أنقرة وموسكو والتي من شأنها أن تُمثل خطرًا على الأمن الأوروبي.

وربما تأمل بروكسل في أن تقوم إدارة بايدن بتحجيم قدرة تركيا على التصرُّف، لكن واشنطن في عهد بايدن تواجه مجموعة من قضايا السياسة الخارجية التي تتطلّب اهتمامًا عاجلًا، فضلًا عن مجموعة متراكمة من المشكلات الداخلية وجائحة كورونا (كوفيد-19). وفي المُقابل، بإمكان تركيا والاتحاد الأوروبي تحقيق مكاسب أكثر إذا قاما بالتوفيق بين مصالحهما بشكل أفضل. يحتاج الطرفان إلى إجراء حوار بنّاء، وإلَّا فإن الخلافات العديدة الراهنة بينهما من شأنها أن تُهدد بزيادة الفجوة بينهما، وهو الأمر الذي لن يفيد أيٌ منهما.

 

حسن سليم أوزرتيم؛ محلل سياسي يقيم في أنقرة، وتتركّز اهتماماته البحثية على مجالات الأمن والاقتصاد السياسي والطاقة، ومناطق أوراسيا وروسيا وتركيا.