Tتركيا وخطيئتها الأصلية التي تعود إلى الإبادة الجماعية للأرمن

عمر تاسبينار

AFP Photo: Bulent Kilic

عندما يتعلق الأمر بمشكلة تركيا مع الديمقراطية في الوقت الراهن، فإن ما حدث للسكان الأرمن واليونانيين في الأناضول على مدار قرن من الزمان يبدو غير ذي صلة. ومع ذلك، فإن العكس هو الصحيح. ولن تصبح تركيا أبدًا دولة ديمقراطية وليبرالية حقيقية – بمعنىأن تكرس الدولة لفكرة أن جميع المواطنين متساوون– إلا إذا أقرت تركيا وبشكل كامل بالأحداث المأساوية التي ألمت بالمسيحيين في الأناضول. ولا يمكن لأي دولة بلوغ النضج الديمقراطي ما لم تتعلم من أخطائها السابقة وبدون ان تعمل على إقامة المؤسسات الشفافة المرموقة لمنع التاريخ من تكرار نفسه. ولسوء الحظ، ليس هناك ما يشير إلى أن الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” متقبل لهذا الأمر.

وشهد الشهر الماضي الذكرى الرابعة بعد المائة للإبادة الجماعية للأرمن. وليس مفاجأة أن تستمر الحكومة التركية في إنكار الإبادة الجماعية، بيد أن الأمر الأكثر أهمية – والمثير للقلق في واقع الأمر – هو كيف أن وصف أردوغان بالقومية الاستبدادية في الوقت الراهن يرتبط أيضًا بهذا الحادث التاريخي. فوفقًا للزعيم التركي، فإن ترحيل الأرمن كان امرا منطقيا وكان يجب فعله في ذلك الوقت. وبالنظر إلى هذا الموقف الرسمي، وهذه المراجعة المخزية، لا يستطيع الأتراك حقًا أن يتساءلوا لماذا تشكك الكثيرون من الدول الغربية في تفسير تركيا للتاريخ.

إن ما حدث للمسيحيين العثمانيين في الأناضول ليس مسألة رأي سياسي، إنها حقيقة تاريخية. وصدر مؤخرًا كتاب بعنوان “ثلاثون عامًا على الإبادة الجماعية”: تدمير تركيا للأقليات المسيحية”، لاثنين من كبار المؤرخين في إسرائيل، وهما “بيني موريس” و”ودير زئيفي”، ويقدم هذا الكتاب صورة واضحة ومفصلة للمرحلة التي شهدت الإبادة الجماعية للأرمن، والقضاء على الحضارة اليونانية – أي، إلغاء المسيحية بالكامل – في الأناضول. وبين عامي 1894 و1924، زُهقت أرواح ما يصل إلى 2.5 مليون مسيحي عثماني، ونتيجة لذلك، انخفضت نسبة المسيحية في الأناضول من “20%” إلى “2%”.

واستمر التطهير حتى بعد تأسيس الجمهورية التركية الحديثة، وامتد إلى ما بعد الأناضول. وبحلول عام 1924، كان عدد سكان اسطنبول يقترب من مليون نسمة، وهناك في إسطنبول أكثر من “200,000” مواطن من أصول يونانية، وهو أكبر عدد لأقلية عرقية في المدينة. واليوم، تمثل إسطنبول عاصمة عملاقة يبلغ تعداد سكانها 16 مليون نسمة، بالإضافة إلى مجتمع يوناني يحتضر قوامه “3,000” نسمة فقط.

وتبقى المشكلة دومًا في سرد الحقائق دون التأكد من صحتها. وتشكل فترة الثلاثين عامًا التي يغطيها كتاب “موريس زئيفي” المرحلة الأخيرة من التفكك للإمبراطورية العثمانية – حيث مرت الدولة العثمانية بفترة احتضار طويلة وصعبة. وهناك من المؤرخين الأتراك من يعارض الحقائق المتعلقة بالمسيحيين الأناضوليين وحجتهم في ذلك أن للقصة جانب آخر، وفيه قد يكون الترحيل الجماعي إحدى سياسات الدولة “المعقولة”: وفي الوقت نفسه، وقع المسلمون في البلقان والقوقاز ضحية للتطهير العرقي على أيدي غالبية المسيحيين الذين بدئوا في مهامهم الانفصالية لتشكيل دولهم القومية.وهؤلاء المؤرخون المعارضون على حق، فهناك جانبان لكل قصة. ومع ذلك، فان هناك مشكلة رئيسية في وجهة النظر التركية للتاريخ وهي أنها توفر المكافئ الأخلاقي لمواصلة تبرير ما لا مبرر له. وفي الأساس، ترى وجهة النظر التركية أن “العنف يولد العنف”، وأن سياق العنف الانفصالي في المقاطعات العثمانية ذات الأغلبية المسيحية يوفر شرعية للانتقام في الأناضول المسلمة.وهذا المنطق خطير للغاية، فإذا كانت الإجراءات الوقائية والعقاب الجماعي هي ردود فعل مشروعة على التهديدات الأمنية، فما المفاجأة إذن في الكيفية التي تتعامل بها الحكومة التركية مع القومية الكردية. وليس من الغريب، ما حدث بعد ذلك في فترة التسعينات، في أوج حملة مكافحة التمرد ضد حزب العمال الأكراد، أو حزب العمال الكردستاني، أن تشرد الدولة التركية مليوني كردي من أراضيهم بطريقة وحشية؟ولا يوجد أي تهديد – عسكري أو عرقي أو سياسي –  يبرر لأي دولة إجلاء السكان الموجودين فيها لمجرد أن وجودهم غير ملائم. وللأسف، لم يتعلم الأتراك هذا الدرس مطلقًا، لأن أنقرة لا تزال تعتبر الترحيل الجماعي للأرمن، والذي أدى إلى الإبادة الجماعية، تصرف “منطقي”. وهكذا يشكل الماضي المستقبل.ومن التداعيات الهامة الأخرى لمسألة الإبادة الجماعية للأرمن وإزالة الحضارة اليونانية في الأناضول هي أنها تكشف الجذور غير الشرعية للبرجوازية التركية. ولا يخفى على أحد أن المجتمعات اليونانية والأرمينية كانت تتألف في الأساس من التجار والحرفيين، وكانت أكثر ثراء من مجتمع الأناضول المسلم العادي. وبدءا من مذابح الأرمن في فترة التسعينات، ثم الإبادة الجماعية في عام 1915، استمرت مصادرة ممتلكات المسيحيين حتى وقعت مذبحة اسطنبول عام 1955. (وهناك جهود أخرى كانت في العام 1974.) وكانت المجتمعات الإسلامية المحلية تنهب ما يمكنها نهبه من المجتمعات اليونانية والأرمينية. وفي هذا الشأن، تم توجيههم طوال الوقت من قبل الحكومة التركية العازمة على تأسيس مجتمع أعمال مسلم.تلك إذن الخطيئة الأصلية للرأسمالية التركية. وبدلاً من أن تستند ريادة الأعمال التركية إلى حماية حقوق الملكية الخاصة، قامت على التطهير العرقي ومصادرة الممتلكات والتوزيع التعسفي للأراضي ورأس المال المسروق من غير المسلمين، حتى أن بعض الشركات القابضة الأكثر ديناميكية وتوجهاً نحو الغرب في تركيا، والتي تعود جذورها إلى الأراضي الخصبة التي صودرت من عائلات أرمينية، ليست معفية من هذه الخطيئة الأصلية.وفي ظل عدم معرفة الكثير عن تاريخها، فضلاً عن المؤسسات غير الموثوق بها، فهل من الغريب ألا تظهر تركيا ورئيسها أردوغان في الوقت الراهن أي احترام لحقوق أعدائها الرئيسيين، وهم أتباع فتح الله غولن؟، وكانت تركيا قد صادرت الاف الشركات والأصول التي تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات. ومن المفارقات المريرة، أن تعترف جماعة غولن بهذه المأساة التاريخية، والتي كانت تنكر يومًا ما الإبادة الجماعية للأرمن، ومن المحزن أن بقية تركيا لم يعترفوا مثلها بعد. عمر تاسبينار، زميل أحد كبار الباحثين معهد بروكينغز، وأستاذ إستراتيجية الأمن القومي في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن.للحصول على صورة عالية الجودة للكاتب، يمكن تحميلها من الموقعحقوق النشر