بسبب إهمال الحكومة التركية: عدد المزارعين في تناقص

Begum Toprak

AFP photo: Adem Altan

لتعمل مزارعاً في تركيا ليس بالأمر اليسير. حيث أن المزارعين في تركيا كانوا ضحية لسياسة زراعية قديمة لا تواكب أحدث التطورات. عفا عليها الزمن، وكانوا لا يلقوا الدعم من جانب الحكومة. وفي الوقت الراهن، أصبح هؤلاء المزارعين تحت رحمة التغير المناخي وعجز الحكومة حيال ذلك الأمر –عن محاولة تجنب التأثر بتلك الظواهر المناخية. وأصبح التغلب على تلك العقبات عبئًا ثقيلا على القطاع الزراعي في تركيا.

وقد قامت شركة دوكتار المتخصصة في التكنولوجيا الزراعية بعمل دراسة استقصائية شملت عدد 3100 مزارعًا تركيًا، وقال 70% ممن شملتهم الدراسة أنهم غير راضون عن السياسات الزراعية التركية، وقال 79% إنهم يصارعون بشكل يومي الآثار المتكبدة نتيجة ظاهرة التغير المناخي.

إن ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدل تساقط الثلوج يشيران إلى تصاعد احتمالية الدخول في مرحلة جفاف شديد، وحينما ارتفع متوسط درجة الحرارة في يونيو من العام الماضي ليصل إلى 23.4 درجة مئوية، وهو رقم لم يتم تسجيله إلا منذ 140 عامًا، حذّر أستاذ الأرصاد الجوية بجامعة اسطنبول التقنية “ميكدات كاديوغلو” من أن تركيا ستعاني من نقص المياه بصورة شديدة بحلول العام 2023. وتستخدم تركيا 73% من مواردها المائية في الزراعة، وهي نسبة أكبر بدرجة مئوية واحدة من المعدل العالمي للري، وفي هذا الصدد يقول د. كاديوغلو :”وتلك ستكون بمثابة استخدام ترفيهي لن تستطيع تركيا أن تتحمله”.

إن الاستخدام غير المنظم للمياه الجوفية وتقنيات الري غير المتطورة جعلت من تركيا دولة “فقيرة مائيًا”، وباتت 60% من الأراضي التركية مهددة بالجفاف وعوامل التعرية. وعلى مدار الأعوام الخمسين الماضية، تعرّض مليوني فدان من الأراضي الرطبة بما فيها 36 بحيرة للجفاف، وزادت نسبة تكلس وملوحة الأراضي؛ بسبب الاستخدامات الغير منظمة لمياه الري.

ولعل مشروع جنوب الأناضول يكون بمثابة مثال واضح على سوء إدارة الدولة، ويشمل المشروع محطة للطاقة الكهرومائية ومناطق للغابات وأنظمة للري وعدد 22 من السدود، وبدأ العمل في المشروع خلال عام م1996 بمنطقة سهول حوران، وتم تقديم وعود للمزارعين بالحصول على محاصيل أفضل ودخل مادي أكبر، وبدلًا من ذلك، وبحلول العام 2012 فقدت تلك المنطقة 12% من الأراضي الزراعية بسبب زيادة نسبة الملوحة في الاراضي الزراعية.

وبعد أن تسبب المناخ المضطرب في تدمير 1.9 مليون فدان من الأراضي الزراعية في عام 2018م، طالب سيمسي بيركتار، رئيس الاتحادات الزراعية في تركيا الحكومة التركية باتخاذ الإجراءات اللازمة؛ لمكافحة ظاهرة التغير المناخي، وتطوير عملية استعداد الحكومة للكوارث الطبيعية وتقديم تعويضات مناسبة للمتضررين من تلك الكوارث، ولم تتم الاستجابة لأي من تلك المطالب.

ووفقًا للوكالة التركية للتنظيم المصرفي و الإشراف فإن هناك ما يقرب من 19 مليار دولار من القروض الحكومية للقطاع الزراعي لم يتم تسديدها حتى سبتمبر الماضي، وهو ما يعني أن كل مزارع بات في المتوسط مدينًا للحكومة بمبلغ 8500 دولار، ووضح الوضع الاقتصادي الهش للمزارعين بشكل هائل، حين قامت العام الماضي شركة التأمين الزراعي “تارسيم” بتسديد 5 ملايين ليرة (827 ألف دولار) لعدد 35626 مزارع بمنطقة سامسون، وجاء ذلك بسبب فقدان هؤلاء المزارعين محاصيلهم جراء حدوث الكوارث الطبيعية مثل: الأمطار الثلجية والصقيع والسيول، لكن من حصل على تلك الأموال هم فقط المزارعين القادرين على تسديد قيمة التأمين! وهناك ما يقرب من 30 ألف مزارع ليس لديهم القدرة على تسديد رسوم التأمين، وبنهاية العام الماضي، بات هناك ألفي مزارع يواجهون مصيرًا مجهولًا.

ووفقًا لقانون زراعي تم إقراره في عام 2006، أصبح من اللازم على الحكومة تخصيص 1% من الناتج القومي الإجمالي لتقديمه كدعم للقطاع الزراعي، لكن لم يتسلم المزارعين أية أموال إلا مرة واحدة في عام واحد، ونتيجة لهذا الأمر تعرّض 3 ملايين فدان من الأراضي الزراعية للبوار.

وفي عام 1980 كان نصف تعداد سكان تركيا من المزارعين، وبعدها بعشرة أعوام انخفض هذا الرقم ليسجل 46% من تعداد السكان، والآن فإن 17% فقط من تعداد سكان تركيا يعملون في الزراعة، وقد أظهرت البيانات التي قام نظام تسجيل المزارعين بجمعها أنه على مدار الأعوام العشرة الماضية تخلّى 600 ألف مزارع عن مهنتهم، وأغلب هؤلاء التحق بوظيفة عامل في مصنع بمرتبات متدنية، ويقول بيركاي أوزير مدير مشروع جرين بيس للبحر الأبيض المتوسط للأغذية والزراعة :” تمثّل الحد الأدنى للأضرار الناتجة عن تلك العملية في أن المزارعين الذين تركوا مهنتهم لم يجدوا ما يكفيهم من المال مما جعلهم يشعرون بأنهم مُهملون”.

وغالبًا ما يتم تفسير ظاهرة تناقص عدد المزارعين بأنه علامة على أن البلاد باتت تتجه نحو التصنيع، وهو ما أدّى – حسب تبرير المسئولين الأتراك – إلى هجرة سكان القرى إلى المدن بحثًا عن وظائف في القطاع الصناعي الذي يوفر دخلًا ثابتًا، كما أن ظروف العمل به ليست قاسية مثلما هو الحال في القطاع الزراعي. وكما ذكر “أمين كوراماز” رئيس نقابة المهندسين والمهندسين المعماريين في تركيا، فإن قطاع المباني والإنشاءات هو الذي قام بجذب أعداد هائلة من العمالة، والمعضلة بالنسبة للعمال في هذا الصدد هي أن وظائف قطاع المباني والإنشاءات ليست طويلة الأمد، أما بالنسبة للاقتصاد فإن قطاع الإنشاءات لا يوفر استثمارات إنتاجية مستمرة، وبمجرد أن يقوم المستثمر ببيع الوحدة السكنية يتوقف إسهام هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي.

ولا تزال الزراعة بمثابة ركنًا هامًا من أركان الاقتصاد التركي، وقد ساهمت بنسبة 11% من الصادرات التركية العام الماضي، وقد جنت الزراعة أرباحًا بلغت 107 مليار دولار على مدار الأعوام الخمسة الماضية، والواقع أن تركيا لا تزال تحتل المركز السابع على مستوى العالم بين الدول المنتجة للسلع الزراعية، ومزارعيها هم أكبر مزارعين على مستوى العالم في إنتاج البندق والتين والمشمش والكرز، كما يحتلون المركز الرابع على مستوى العالم في إنتاج الزيتون والجوز والفستق. لكن إسهام القطاع الزراعي انخفض ليصل إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2019 وكان يبلغ 23% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 1980، وبينما لا يزال القطاع الزراعي ضخمًا حتى الآن، فقد بات يتعرض للتآكُل بسبب تجاهل الحكومة التركية.

وبما أنها تقع في ملتقى القارات والبحار، فإن الأراضي الزراعية التي تقع في قلب تركيا باتت عرضة للهلاك بسبب التغير المناخي، الذي أضر وسيضر بالموارد المالية للمزارعين وكذا سيؤثر على قدرة هؤلاء المزارعين على تكريس أنفسهم للأرض. وما فاقم من الأزمة هو حالة الإهمال العامة التي يعانيها المزارعين من قِبل الحكومة، والمزارعين بحاجة ماسة للدعم الذي نص عليه القانون، والواقع يقول أنهم ربما يحتاجون لما هو أكثر من هذا الدعم. وبينما تتعاظم مشكلة التغير المناخي فقد بات علينا الاعتماد على المزارعين لإنتاج القدر الكافي من الغذاء الذي يوفي باحتياجات كل منا.

بيجوم توبراك هو اسم مستعار لصحفية تركية تعيش في اسطنبول، حيث أنه في وخلال عامي 2018 و2019 تم اعتقال 74 صحفيًا في تركيا، وذلك وفقًا للجنة حماية الصحفيين وهي منظمة دولية مستقلة.