الإمارات توازن بين العلاقات مع إسرائيل والانفراج السياسي مع إيران

حسين عبد الحسين

Image courtesy of Andrew Harnik / Pool/ AFP

تم رسم الملامح السياسية لثلاثة من كبار الدول في الشرق الأوسط، في خضم موجة من الحراك الدبلوماسي والبيانات المشتركة وإعلانات الميزانية خلال الأسبوعين الماضيين.

وأرسلت دولة الإمارات العربية المتحدة مستشارها للأمن القومي الشيخ طحنون بن زايد إلى إيران، بينما كانت تستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، كما أرسلت إسرائيل وزير دفاعها بيني غانتس إلى واشنطن، ومن جانبها ضاعفت إيران ميزانيتها العسكرية. وبينما تخفف الإمارات من حدة التوترات مع دول الإقليم وتدعم المسار السلمي، تحشد إسرائيل وإيران الحشود ويبدو أنهما يدقان طبول الحرب.

وقد قام بينيت بزيارة تاريخية، هي الأولى من نوعها لرئيس وزراء إسرائيلي إلى دولة الإمارات، حيث التقى مع ولي العهد الشيخ محمد بن زايد وعقد اجتماعات فردية مع عدة وزراء.

وبلغ حجم التجارة الثنائية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل ما يقرب من 800 مليون دولار، لأول تسعة أشهر من عام 2021. كما شهدت الاستثمارات الإماراتية المباشرة في إسرائيل ارتفاعًا ملحوظا، حيث تزايد التعاون بين ثالث ورابع أكبر اقتصادات المنطقة، بناتج محلي إجمالي متساوي الحجم بحوالي 400 مليار دولار لكل منهما.

وسيضمن هذا التعاون نموًا اقتصاديًا كبيرًا بين إسرائيل، وهي دولة تركز على الشركات الناشئة، والإمارات العربية المتحدة، والتي تملك قطاعات متطورة في التمويل المالي والتسويق وأدوات أخرى لتسييل الأموال.

وعلى الرغم من وتيرة التقارب المذهلة التي جمعت الإمارات وإسرائيل، إلا أن الإمارات العربية المتحدة أشارت إلى أن السلام مع الدولة اليهودية كان اقتصاديًا وثقافيًا، وليس سلامًا يستهدف إيران. وعليه، لم يعقد بينيت لقاءًا فرديًا مع أي مسؤول دفاعي أو أمني أثناء وجوده في الإمارات، ولا حتى مع الشيخ طحنون، وهو المسؤول الذي عاد لتوه من طهران.

ومع استمرار المحادثات النووية بين العالم وإيران والتي لم تُفض إلى شيء يذكر، شعرت الإمارات العربية المتحدة أن الحرب الإقليمية أصبحت وشيكة، ومع ذلك، فإن رسالة أبوظبي واضحة المعالم: فهي تعتزم استبعاد أي تشابكات عسكرية في المنطقة، بما في ذلك أي تشابكات مع إيران وإسرائيل، والحياد الإماراتي لا يعني أن لها طرف مفضل في هذا الصراع، ولكن حتى إذا كان لديها طرف مفضل، فهذا لا يعني أنها ستمد له يد العون.

ووضعت إسرائيل من جانبها خطوطا لا يمكن لأحد تجاوزها، فالدولة اليهودية لن تتسامح مع امتلاك إيران لأسلحة نووية، وهي مستعدة لاستخدام القوة العسكرية لمنع طهران من تصنيع قنبلة نووية، ولهذا السبب زار “بيني غانتس” واشنطن، وطلب التسريع في تسليم ناقلتين للتزود بالوقود جواً، كانت إسرائيل قد اشترتهما في وقت سابق من الولايات المتحدة، وهذه التكنولوجيا مطلوبة عندما تطير الطائرات المقاتلة لمسافات طويلة، وهي مثالية للاستخدام، على سبيل المثال، إذا قررت إسرائيل ضرب المنشآت النووية الإيرانية.

وأعلنت إيران أنها ستضاعف ميزانيتها العسكرية لعام 2022 لتصل إلى 30 مليار دولار، وعلى الرغم من تلك الزيادة، تبقى قدرتها على شراء التكنولوجيا العسكرية الغربية المتطورة محدودة، مما يشير إلى أن طهران ستضاعف على الأرجح الأموال التي تخصصها لميليشياتها الإرهابية الإقليمية التي تهدد بها، وغالبًا ما تبتز، القوى الإقليمية وفي مقدمتها إسرائيل.

ولم تستطع سياسة الرئيس السابق دونالد ترامب المتمثلة في ممارسة “أكبر قدر من الضغوط” على إيران، إجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات، لكن سياسة ترامب أوقفت بالتأكيد تخصيب اليورانيوم الإيراني، ولو تم انتخاب ترامب لولاية ثانية، لما كان من المرجح أن تستأنف طهران التخصيب بسرعة كبيرة.

ولكن مع الرئيس جو بايدن، اتخذت الدبلوماسية منحنى فكري، حيث يبدو أن فريق السياسة الخارجية مهتم أكثر بالمفهوم الغامض لإنهاء الاستعمار أكثر من اهتمامه بالحفاظ على السلام الإقليمي والعالمي، وما يجعل الأمور أسوأ بالنسبة لفريق بايدن، هو حقيقة إن إنهاء عصر الإمبراطوريات يعني تراجع القوة الأمريكية مع السماح في الوقت نفسه لإيران بالتوسع وبناء إمبراطوريتها الإقليمية.

ومع انسحاب أمريكا بقيادة بايدن وقصر سياستها الخارجية على العلاقات الدبلوماسية غير ذات الشأن، تتنافس القوى الإقليمية لملء ذلك الفراغ، وتتأهب إسرائيل وإيران لاشتعال الحرب، وكل منهما يعزز نقاط قوته. ولكن الإمارات، تريد التقليل إلى أدنى حد من آثار أي حرب على اقتصادها وازدهارها، وهي سياسة حكيمة قد يُنصح باتباعها من قبل الدول التي لها صفات مماثلة.

ولا يعرف أي طرف ما تخفيه لنا الأشهر والسنوات القادمة، وما نعرفه الآن هو أن اللاعبين الرئيسيين أو دول الإقليم التي تتمتع بوزن وثقل كبير مستعدة لخوض تغيير كبير وجذري، وأن أمريكا أو القوة العظمى التي كانت في السابق تُثبت دفة سفينة الإقليم، لم تعد مهتمة بقيادة المركب، تاركة السفينة تُبحر بلا قائد في غياهب بحر متلاطم الأمواج.

 

حسين عبد الحسين هو زميل باحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في العاصمة واشنطن.