لا داعي للذعر من السلالة الجديدة لفيروس كورونا في المملكة المتحدة؛ فالفيروس قد تحور بالفعل أكثر من 3000 مرة

جوناثان جرونال

AFP photo: Tolga Akmen

إذا كانت تُؤرقك أخبار السلالة المتحولة الجديدة لفيروس كورونا “2” المسبب لمتلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم والذي ينتشر “كالنار في الهشيم” في أنحاء المملكة المتحدة، ويأذَن بإغلاق الدول لحدودها، فمن الأفضل ألَّا تزور الموقع الإلكتروني لمشروع “Nextstrain” (https://nextstrain.org/). حيث تشهد الفيروسات أمثال فيروس كورونا “2” المسبب لمتلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم تطورًا مستمرًا- ليس عن قصد أو حتى بطريقة ماكرة، كما تُوحي بعض التغطيات المُروِّعة مُؤخرًا، ولكن كنتيجة ثانوية وعارضة لا مفر منها لعملية تكاثر الجينوم الفيروسي والتي تكون غالبًا مليئة بالأخطاء. ومن تلك الأخطاء تنشأ العلامات التي تُتيح للعُلماء تتبع منشأ السلالات المختلفة من الفيروسات وكيفية انتشارها.

ومشروع Nextstrain هو تعاون بين علماء الأوبئة الجينومية الدوليين الذين تتبعوا خلال العام الماضي وحللوا أكثر من 75000 تسلسل للفيروس الذي اجتمع عليه علماء العالم. وفي كل يوم تُضاف مئات من الخصائص الإضافية إلى هذه المكتبة الجينية – مما يعكس ظهور المئات من الطفرات الفيروسية يوميًا.

وبأسلوب الرسوم المتحركة المذهل، يعرض لنا موقع “Nextstrain” النتائج التي خرج بها العلماء من تتبع آلاف التغيرات التي مرت بالفيروس حتى الآن. وتعرض تلك الرسوم المتحركة مجموعة مختارة من 3611 تطورًا للفيروس الأصلي الذي ظهر في ووهان في ديسمبر/كانون الأول 2019، قبل أن ينتشر في جميع أنحاء العالم كانتشار النار في الهشيم.

وعند الوصول لنهاية تلك التغييرات، يمكن العثور على السلالة «B. 1.1.7» التي اكتُشِفت لأول مرة في عينة معزولة في المملكة المتحدة في 2 سبتمبر/ أيلول.

وسجلت أكثر من “130” دولة حول العالم، منها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والبحرين والعراق وإيران وإسرائيل وعمان وباكستان و الهند، حدوث مثل تلك الطفرات لفيروس كورونا “2”، وهو أمر شائع للغاية في مراحل التطور الطبيعي لجميع الفيروسات. بل إن الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، يوجد بها أكثر من 750 سلالة جديدة للفيروس.

ولكن السلالة الجديدة التي عُثِر عليها في المملكة المتحدة تضم عدد طفرات أكثر من مُعظم تلك السُلالات –17 طفرة في الواقع.

كما أن السلالة «B. 1.1.7»، سُرعان ما أصبحت السُلالة الأكثر انتشارًا للفيروس في المملكة المتحدة. وبحلول منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، كانت هذه السلالة هي المسؤولة عن “28%” من إجمالي الحالات الجديدة في لندن وجنوب شرق إنجلترا. وبحلول الأسبوع الذي يبدأ في 9 ديسمبر/كانون الأول، ارتفع مُعدَّل انتشار السلالة إلى “62%” في العاصمة، و “43%” في جنوب شرق البلاد، و “59%” في شرق إنجلترا.

أدى ذلك إلى إغلاق عشرات الحدود عبر أوروبا وخارجها في وجه المسافرين من المملكة المتحدة. وبدأت دول أخرى أمثال المملكة العربية السعودية والكويت وسلطنة عمان، في إغلاق حدودها في وجوه جميع الوافدين، وتعليق جميع الرحلات الجوية التجارية، تحسبًا لأي ظرف.

ربما فات أوان ذِكر ذلك. ولكن سبق اكتشاف السلالة الأخيرة أيضًا في أماكن مُتباعدة مثل الدنمارك وهولندا وأستراليا. وتعمل تلك الدول على تنفيذ العديد من المبادرات الخاصة بالتسلسل الجيني للفيروس، ومن المؤكد أن المزيد من الحالات ستظهر قريبًا جدًا في أماكن أخرى من العالم.

ولا يمكن إلقاء اللوم على أي من الدول التي تتدافع لإغلاق حدودها مدفوعة بالإفراط في الحذر. فلقد نجحت المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، في خفض عدد الحالات الجديدة اليومية من “4919” حالة في يونيو/حزيران إلى “168” حالة فقط في 21 ديسمبر/كانون الأول. ولا تريد تلك الدول أن تشهد زيادة كبيرة في عدد الحالات مثلما يحدث الآن في المملكة المتحدة.

ففي أبريل/نيسان، بلغت عدد حالات الإصابة في المملكة المتحدة ذروتها بأكثر من “5,000” حالة يوميًا، ولكن مع حلول يوليو/تموز، وبعد الإغلاق الصارم للبلاد، بدا أن الجائحة تتراجع، وفي “30” يونيو/حزيران، انخفض عدد الإصابات إلى 404″ إصابة جديدة، و “54” حالة وفاة.

ورغم ذلك، وقع خطأ ما -ففي 20 ديسمبر/كانون الأول، سجلت البلاد عددًا مهولًا بلغ “36084” إصابة جديدة، و “326” حالة وفاة.

وتنزع الآراء السائدة، بالطبع، إلى إلقاء اللائمة على السلالة الجديدة للفيروس، والتي يبدو أنها تنتشر بسهولة أكثر من أسلافها، ولعلَّ ذلك بسبب ظهور العديد من الطفرات التي يبدو أنها تحسن قدرة السلالة على الارتباط بالخلايا والدخول إليها. وهذا يفسر قطعًا زيادة انتشار تلك السلالة في المملكة المتحدة.

ولكن في ظل تداول عدد من الأخبار حول “الفيروس المتحور”، هناك تغاضي عن العديد من العوامل المهمة. ففي ظل المعطيات الحالية، لا يوجد أي دليل على الإطلاق يشير إلى أن هذه السلالة الجديدة من الفيروس ستكون أكثر خطورة من كوفيد 19، أو أنها قد تؤدي إلى مزيد من الاستشفاء، مقارنة بأي سلالة أخرى ظهرت.

ولا يوجد دليل أيضًا على أن السلالة الجديدة تغير استجابات المناعة في الجسم، مما يعني أنها يمكن التغلب عليها باللقاحات الجاري نشرها حاليًا، شأنها في ذلك شأن أي نوع آخر من فيروس كورونا “2”.

وبعبارة أخرى، لم تطور سلالة «B. 1.1.7» نفسها على نحو غامض للتغلب على الاحتياطات البسيطة والفعالة التي اعتدنا عليها –المداومة على غسل اليدين، وارتداء الأقنعة في الأماكن العامة، وعدم التعامل مع الغير عن قرب، وتجنب التجمعات التي لا تراعي شروط السلامة.

وفي المملكة المتحدة، كانت استجابة مسؤولي الصحة العامة طوال فترة الجائحة مثار الشُبهات نتيجة التردد الذي يشوبه الدوافع السياسية، وأنصاف الحلول، والانعطافات المحبطة، وكان آخرها سلسلة من عمليات الإغلاق الجزئي، والتي تختلف من منطقة إلى أخرى، وتغيير الخطط في اللحظة الأخيرة، لتخفيف القيود خلال فترة عيد الميلاد، وهو الأمر الذي قُوبِل بإدانة واسعة النطاق من جانب العلماء.

وقد يثبت أيضًا أن إصرار الحكومة البريطانية على إبقاء المدارس مفتوحة، بدلاً من العودة إلى التعلم عبر الإنترنت، كان خطأً فادحًا. حتى الآن، تبين أن الأطفال لديهم مناعة مقبولة ضد فيروس كورونا “2”. ورغم ذلك، أشار أحد المستشارين الحكوميين البارزين أن السلالة الجديدة قد تجعل الأطفال عرضة للإصابة بالفيروس “بنفس الدرجة المُعرَّض لها البالغين”.

رغم أن سلالة «B. 1.1.7» قد اكتُشِفت لأول مرة في “2” سبتمبر/أيلول، ولكن المملكة المتحدة لم تشهد زيادة في عدد الإصابات الجديدة يوميًا إلا منذ بداية يوليو/تموز. بمعنى أن المملكة المتحدة تشهد عودة قوية لفيروس كورونا “2” بالفعل، ولكن ليس بسبب قوة السلالة الجديدة أو ضعفها، بل بسبب السياسات غير الفعالة لمؤسسات الصحة العامة في البلاد. بينما أقصى ما فعلته السلالة الجديدة «B. 1.1.7»هو السماح للفيروس باستغلال نقاط الضعف في دفاعات الدولة بمزيد من الفاعلية.

أما الذعر من السلالة «B. 1.1.7» بشكل أقرب من الهستيريا، فهو في غير محله، فهي لم تجعل فيروس كورونا “2” أكثر فتكًا أو مقاومة للقاحات. ولكنها، سلطت الضوء على أن المعركة ضد هذا الفيروس لم تنته بعد، حتى مع ظهور اللقاح في الأفق – وأن الدول التي تخلت عن حذرها قبل الأوان، كما فعلت المملكة المتحدة، قد تدفع ثمنًا باهظًا.

جوناثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل في وقت سابق لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.