حرب أوكرانيا تدخل مرحلة جديدة وخطيرة من القتال في المناطق الحضرية

نيل هاور

Image courtesy of Kenya Savilov / AFP

جسدت مدينة “خميلنيتسكي” الأوكرانية قصة بطولية تحكي عن دفاع أوكرانيا ضد الغزو الروسي، وهناك الكثير من الروايات التي تصور السكان المحليين المخلصين وهم يدافعون عن وطنهم ضد كل الصعاب.

ولكن مع انتقال القتال الآن إلى مدن أوكرانيا، فإن القادم سيحفل بالكثير من الدمار.

وقد قدمت الأيام الأربعة الأولى من الصراع الكثير من الآمال لأوكرانيا لصد هجوم خصمهم الروسي الأقوى منهم، ولم يتم كبح التقدم الروسي في شمال البلاد وشمال شرقها تمامًا، لكنه تأخر بشكل كبير عما كانت تخطط له موسكو، والتي اعتقدت بأنه سيكون انتصارًا سريعًا. وأبدت القوات الأوكرانية مقاومة شديدة، حيث شاركت في معارك شرسة بالدبابات والمدفعية، كما نجت القوات الجوية الأوكرانية من الموجة الأولى من الضربات بصواريخ كروز الروسية التي هدفت إلى تعطيلها، ودمرت الطائرات النفاثة والطائرات بدون طيار الأوكرانية طوابير من الدروع الروسية.

لكن على الرغم من تلك النكسات، يملك الجيش الروسي الكثير من الحشود، والتي مكنته من إحراز تقدم كبير، والوصول إلى أعتاب أكبر مدن أوكرانيا.

وفي جنوب أوكرانيا، خطت القوات الروسية خطوات واسعة، حيث دخلت مدينة “ميكولايف” في الجنوب الغربي، وتقدمت بأكثر من 150 كيلومترًا من مواقعها الأولى في شبه جزيرة القرم، إلى الشمال الشرقي لشبه جزيرة القرم، في محاولة لتطويق ميناء مدينة ماريوبول من الغرب، والمهدد أيضًا بتقدم القوات من جمهورية “دونيتسك” الشعبية إلى الشمال والشرق. وفي مدينة “خاركيف” وهي ثاني أكبر مدينة في أوكرانيا، بدأت القوات الروسية التي تطوقها في شن غزوات على المدينة نفسها، وفي العاصمة “كييف” انضمت قوات المظليين إلى المعارك على الضواحي الشمالية والغربية للعاصمة، مما أدى إلى عزل المدينة عن الجنوب بعد عمليات جوية.

وإذا فشلت هذه الغزوات الأولية، كما هو مرجح، فسينتقل الروس إلى الخطوة التالية: وهي القصف العشوائي والتدمير الشامل للبنية التحتية، وربما كان يوم الاثنين هو بداية ذلك، حيث أظهرت مقاطع مصورة قصفًا بالمدفعية الصاروخية على مدينة “خاركيف” مما أسفر عن مقتل العشرات من المدنيين في غضون ساعات قليلة. إن الوجود المتزايد لأنظمة قاذفات الصواريخ الحرارية (تي أو أس -1) يشير إلى حجم الدمار القادم، وتلك القاذفات هي معدات حربية مصممة لتدمير المباني السكنية باستخدام ما يسمى بالقنابل الفراغية، وأظهرت القوات الروسية عدم رغبتها في قتل المدنيين الأوكرانيين الذين يوجهونها، كما أظهرت العديد من مقاطع الفيديو للقرويين وهم يصدون الدبابات ويجبرونها على الالتفاف، ومع ذلك، فمن الأسهل من الناحية النفسية جعل الصواريخ والقنابل تتحدث وترك الذخائر الثقيلة تقوم بلعب ذلك الدور من مسافة بعيدة.

ويلوح شيء من الأمل لأوكرانيا في هيئة الدعم الغربي لها وفرض العقوبات على روسيا، حيث تشير التقارير الآن أن ما يصل إلى 28 دولة أرسلت مساعدات عسكرية إلى أوكرانيا، بما في ذلك حدوث تغيرات جذرية في بعض السياسات، فقد أعلنت ألمانيا يوم الأحد أنها ستقدم 1000 صاروخ مضاد للدبابات و 500 صاروخ “ستينغر” مضاد للطائرات إلى القوات الأوكرانية، بعد أن وجه إليها بأصابع اللوم والتوبيخ لموافقتها سابقًا لإرسال 5000 خوذة فقط، حتى أن الاتحاد الأوروبي أرسل الآن طائرات مقاتلة، ربما تكون نماذج أقدم من حلف وارسو ومماثلة لتلك التي تنقلها القوات الجوية الأوكرانية، بغرض تعزيز القدرات الأوكرانية. كما جاءت إجراءات العقوبات بسرعة وبصورة موحدة، من قبل جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي البالغ عددهم 28، بما في ذلك المجر التي كانت متحفظًة في السابق، وهي الآن على استعداد لفصل روسيا عن نظام “سوفت” أو (جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك) وهو النظام المصرفي العالمي، في خطوة قال وزير المالية الروسي السابق إنها قد تقلص اقتصاد البلاد بنسبة تصل إلى 5٪.

وفي كل يوم يمضي تدفع روسيا تكاليف أعلى وبصورة متزايدة، فقد أدت العقوبات إلى انهيار العملة الروسية ، حيث وصل الروبل إلى مستوى قياسي منخفض بعد انخفاضه بنسبة 30 في المائة مقابل الدولار يوم الاثنين. ولم تفتح روسيا حتى سوق أسهمها للتداول، خوفًا من خسائر إضافية كلفت البنك المركزي الروسي بالفعل ما يزيد عن مليار دولار في محاولات فاشلة لدعم العملة يوم الاثنين، و قد يكون الروس أكثر استعدادًا للخروج إلى الشوارع للتظاهر مع تبخر مدخراتهم وتخفيض أجورهم إلى جزء ضئيل من حيث القيمة الحقيقية، وظهرت بالفعل بعض الاحتجاجات المناهضة للحرب بأعداد مفاجئة في جميع أنحاء البلاد. ويتساءل العديد من المحللين: كيف يمكن لبوتين أن ينجو من الدمار الاقتصادي الذي سببته قراراته.

ولكن بدأ اليأس يتضاعف في روسيا، حيث يلعب بوتين بالأوراق القليلة المتاحة له، وكلها تنطوي على تصعيد عسكري، حيث أمر بنقل القوات النووية الروسية إلى مرحلة أعلى من الجاهزية في يوم الأحد، وهي خطوة تشير إلى ضعفه، في محاولة منه لتهديد الدول الغربية التي تدعم أوكرانيا. كما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها سترسل قاذفات قنابل استراتيجية ثقيلة لمنع نقل الإمدادات إلى أوكرانيا، ومن المقرر أيضًا أن تدخل القوات البيلاروسية المعركة، حيث تم رصد طوابير طويلة على الحدود، ويمكن أن تشتعل المعارك في غرب أوكرانيا، التي لم تصلها نيران الحرب إلى الآن، وهي ملجأ هام للمدنيين الفارين من وسط البلاد وشرقها.

وفي حين أن الصمود الأوكراني أصبح مصدر إلهام للكثير، لكن لم يُظهر بوتين حتى الآن أي بوادر للتراجع، وعلى القوات المسلحة الأوكرانية والمدنيين الاستعداد لما هو أسوأ بكثير في الأيام القادمة، وبعد مضي خمسة أيام من الحرب الروسية على أوكرانيا، يجب العلم أن تلك الأيام ما هي إلا مجرد بداية.

نيل هاور هو محلل أمني يعمل حاليًا في كييف – أوكرانيا. وعادة ما يكون مقره في تبليسي، جورجيا، ويركز عمله، على السياسة والأقليات والعنف في القوقاز وقضايا أخرى.