المتظاهرون الفلسطينيون المسلحون بكاميراتهم هم العدو الأكبر لإسرائيل

جوزيف دانا

قبل أن يقدم موقع التواصل “تويتر” والهواتف الذكية ثورة في طريقة توثيق الكفاح السياسي والتعرف عليه، استخدم الفلسطينيون كاميرات الفيديو اليدوية لتسجيل واقع حياتهم اليومية تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي. ولا غرابة أن إسرائيل لم تحبذ قط إلقاء الضوء بأي شكل من الأشكال على سلوكها تجاه الفلسطينيين، ولهذا، طالبت وزارة الداخلية بانتظام تجريم أبسط وسائل التوثيق في أعقاب المظاهرات الأخيرة في غزة.

بالإضافة إلى رفض المحكمة العليا في إسرائيل طعن قانوني لإنهاء سياسة استهداف المتظاهرين العزل التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي، وتشير “تل أبيب” مرة أخرى إلى أن حربها على المقاومة الفلسطينية غير المسلحة ستستمر دون هوادة. ربما يكون الأفظع من كل هذا هو الهجوم الأخير على فرق العمل الطبية الفلسطينية التي ترعى المتظاهرين الجرحى في غزة، ومنهم “رزان النجار” تلك المسعفة الطبية التي أطلق عليها الجنود الإسرائيليون النار وأردوها قتيلة على الحدود الأسبوع الماضي في الوقت الذي كانت ترتدي فيه زيها الأبيض وملوحة بيدها في الهواء. ولا شك إن قصة تلك الطبيبة البالغة من العمر “21” عامًا والتي تناولتها صحيفة “نيويورك تايمز” مؤخرًا، ستلفت الانتباه إلى التصعيد الخطير في القوة التي تنتهجها إسرائيل ضد المتظاهرين العزل وفرق العمل الطبية.

وهذه القصة ليست بجديدة، فإذا عدنا إلى العام 2005، أطلقت منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية “بيت سالم” مشروع التصوير بالفيديو، ومولته باستخدام أموال المانحين ومنهم المنظمات غير الحكومية الدولية الكبيرة. وفي هذا المشروع منحت منظمة “بيت سالم” كاميرا فيديو إلى الفلسطينيين من أجل هدف بسيط وهو تصوير تفاعلاتك مع الجنود، وماهية حياتك في ضوء الاحتلال. وفي الأساس، بدأت منظمة “بيت سالم” تدريب جيل جديد من الصحفيين الفلسطينيين منذ وقت طويل قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

من خلال آلاف الساعات من أشرطة الفيديو، يعد مشروع فيدو منظمة “بيت سالم” إثباتًا هامًا على تقليل إسرائيل الدائم من انتهاكاتها لحقوق الإنسان داخل الأراضي المحتلة، حيث أجبرت فيديوهات المنظمة في فترات متعددة على مدار اثنا عشر “12” عامًا المدنيين الإسرائيليين والمسؤولين العسكريين على معرفة حقائق ما يجري على الأرض، ولهذا لا عجب أن المشرعين يرغبون في تجريم هذا البرنامج.

في الشهر الماضي، قدم حزب اليمين “إسرائيل بيتنا” إلى البرلمان الإسرائيلي مشروع قانون جديد يشير بوضوح إلى مشروع الفيديو الخاص بمنظمة “بيت سالم”. ويطالب مشروع القانون المدعوم من وزير الدفاع الإسرائيلي، بحظر تصوير الجنود الإسرائيليين أو توثيق أفعالهم. وينص مشروع القانون على أن “أي شخص يصور الجنود بالفيديو أو فوتوغرافيًا و/أو يسجل لهم أثناء مهام عملهم” بهدف تحطيم الروح المعنوية للجنود [الإسرائيليين] وسكان إسرائيل، سيحكم عليه بالسجن خمس سنوات”. واستشهد مشروع القانون بأعمال منظمة بيت سالم” وحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، وفيها وثقت المنظمتان سلوك الجنود الإسرائيليين على مدار سنوات.

وكما هو الحال مع المقترحات المماثلة لمشروعات القوانين الصارمة والتي يناقشها البرلمان بصفة دورية، من غير الواضح بعد ما إذا كان مشروع القانون هذا سيكون قانونًا أم لا. غير أنه من الواضح أن إسرائيل تمضي قدمًا للحصول على تدابير الهدف منها استهداف واعتقال وأحيانًا تعجيز من يوثقون فظائع الاحتلال وسلوك الجيش الإسرائيلي في ظل إصرارها على الاحتلال. لا يهم إذا كان العنف متفشيًا على أرض الواقع أم لا، لأن إسرائيل تعرف مسار صراعها غير المتوازن مع الفلسطينيين، وتريد أن تكون روايتها هي المصدقة.

يعلم المشرعون إلى أي مدى قد يؤدي عدم تكافؤ الصراع – الذي بموجبه تحتل دولة مدججة بالأسلحة النووية أرضًا جُل شعبها المدافع عنها من المدنيين – إلى تقويض أي دعم دولي إذا تمكنت دول العالم من معرفة الأمور بشكل كامل. ولهذا، تمثل الجهود التي تبذلها المنظمات كمشروع الفيديو الخاص بمنظمة “بيت سالم” خطرًا واضحًا ومستمرًا على الأمن الإسرائيلي وتدرك “تل أبيب” هذا الأمر. وفي الحقيقة، تسعى إسرائيل إلى إخفاء أي شكل من أشكال المقاومة غير المسلحة لأنها تجلب خطر إلقاء الضوء على عدم تكافؤ الصراع، ويكفي فقط أن نتابع الأحداث التي وقعت في غزة الشهر الماضي.

واجه آلاف الفلسطينيين العزل الجنود الإسرائيليين فكان رد الجنود الإسرائيليون قتل أكثر من “100” شخص منهم النساء والأطفال والأطباء والصحفيين، وأُصيب آلاف بعد أن تعرض المتظاهرون لنيران القناصة الإسرائيلية من أماكن شديدة التحصين. وعلى الجانب الإسرائيلي، تعرض مجموعة من الجنود لإصابات طفيفة كان معظمها بسبب الحجارة التي ألقاها المتظاهرون. وردًا على الاستخدام المفرط للقوة من جانب إسرائيل، اعترضت العديد من المنظمات غير الحكومية على استخدام الجيش الإسرائيلي الذخيرة الحية ضد المتظاهرين الذين لم يشكلوا خطرًا على حياة الجنود.

رفضت المحكمة العليا سريعًا طلبًا لعقد جلسة استماع عاجلة للنظر في قواعد الاشتباك رغم الملاحظات الهامة التي قدمها محامو المنظمات غير الحكومية. وفي تعقيباته الافتتاحية، أبلغ المحامي الإسرائيلي “مايكل سفارد” المحكمة “بأنه لا يجوز استخدام القوة المميتة ضد أي مدني إلا إذا شكل هذا المدني خطرًا مباشرًا، وتلك هي قواعد القانون الدولي”، وأضاف قائلاً، “نحن نتعامل مع أكثر قوة دراماتيكية تستخدمها إسرائيل لإصابة الأشخاص وجرحهم وقتلهم، وهذا ليس بالمكان المناسب للمبارزات القانونية.

إن تجريم من يدلون بشهادتهم على الظلم ليس بالغريب على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أو من يهاجمون المتظاهرين العزل، وهناك قصصًا مماثلة في جنوب أفريقًا وأجزاء أخرى من الشرق الأوسط بل حتى في الولايات المتحدة الأمريكية. غير أن قدرة إسرائيل على بسط روايتها لفترة طويلة هو أحد الفروق الواضحة في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

إن قدرة هذه الدولة على إدارة أطول فترة من الاحتلال العسكري على مدار التاريخ، والتحدث باستمرار عن حق الدفاع عن النفس في الوقت الذي تهاجم فيه المتظاهرين العزل في الأراضي المحتلة أمرًا خارقًا للعادة. وبناء على مجموعة الأحكام والقرارات الحالية، اتضح أن المشرعين الإسرائيليين يفضلون أن تبقى خطورة الاحتلال المفزعة قيد الكتمان، ونجح المشرعون في هذا الأمر على مدار عقود. وبالنظر إلى سرعة تداول المعلومات في وقتنا هذا، وتجدد المقاومة الفلسطينية غير المسلحة، ربما تتغير الحسابات في القريب العاجل.

AFP PHOTO / AHMAD GHARABLI