الجيش يرفض ان يعود الى سكاناته

فيصل اليافعي

AFP photo

وإن كان في عاصمة دولة أخري، لا يستطيع الرئيس المؤقت الهرب عن ناظري الآلاف من إخوانه المواطنين ممن يلوحون بالأعلام وينشدون الأغاني. ففي ظهيرة الجمعة الماضية بالعاصمة المصرية القاهرة انتبه الرئيس عبد القادر بن صلاح إلي حشد غزير في نهائي كأس الأمم الإفريقية حيث فازت الجزائر على السنغال بنتيجة 1-0. وبالعودة إلى الجزائر فقد خرج الآلاف إلى الشوارع، كما اعتادوا أن يفعلوا منذ فبراير الماضي، ينادون بدولة مدنية وبحل النظام القديم وإبعاد الجيش عن السياسة.

تلك الحالة من المواجهة ما بين الحكومة الجزائرية من ناحية والمتظاهرين من المواطنين من ناحية أخري هي حالة قد بدأت منذ شهور، دونما نهاية واضحة تلوح في الأفق القريب. غير أن تلك المواجهة ليست ساكنة. فالجيش لم يحتفظ بسلطته الاستثنائية على البلاد لأجل أن ينتظر الآخرين حتى يخبروه ما عليه أن يفعل. فخلف الكواليس بدأ الجيش بالفعل في القبض على المتظاهرين والسياسيين ممن يقفون كحجر عثرة في طريقه حتى يمهد الطريق لكسب المواجهة التي يأمل بأن ينتصر فيها. فقد كان الجيش هو من بدأ هذا الحراك وسيكون هو من يقرر كيف سينتهي.

عندما أعلن الرئيس بوتفليقة نيته الترشح لولاية خامسة في فبراير الماضي، خرج المتظاهرون إلى شوارع العاصمة الجزائرية. وعندما بدا أن المتظاهرين لن يتراجعوا، انحاز الجيش (وبخاصة قائده / اللواء أحمد جيد صلاح) لجانب الشعب في تنحية بوتفليقة عن منصبه. ويشغل اللواء حاليا منصب نائب وزير الدفاع في دولته رغم أنه يحوز سلطة أكثر مما يمنحها له منصبه الحكومي.

فدوره السياسي قد سلط الضوء نحو الجيش، وهذا وضع غير مريح بالنسبة لمؤسسه تفضل أن تعمل في الخفاء. وبالنسبة للمتظاهرين فلا يروق لهم ذلك وقد اظهروا ان صلاح هو سبب غضبهم وطالبوه علنا بالرحيل. فإلى جانب أحزاب المعارضة رفض المتظاهرون عقد انتخابات رئاسية في الرابع من يوليو وأصروا على أن أي هيئة تتولي الإعداد لانتخابات رئاسية قادمة يجب ألا تشمل أي من المسئولين الذين ينتمون لعصر الرئيس السابق عبد العزيز بو تفليقة، وهو المطلب الذي يستحيل أن يلبيه الجيش خاصة مع احتمالية أن ينتقص الرئيس القادم من صلاحيات الجيش أو ميزانيته الضخمة، فلا تزال القوات المسلحة تتوقع انه سيحق لعا الموافقة على أي مترشح لتولي هذا المنصب.

وقد يستخدم اللواء صلاح قوة الجيش لإخلاء الشوارع بالقوة من المتظاهرين وبالتالي يفكك حركة التظاهرات الشعبية. فمن الواضح أنه صار منزعجا منهم ويشير إليهم ب”أعداء الجزائر” بيد أن ردة الفعل ربما ستكون عنيفة من داخل المؤسسة نفسها. فالجيش، رغم كل شيء، يتألف من أفراد يعتقد معظمهم وبحق أنهم هم حماة الاستقرار العام، ولكن في الوقت ذاته لا توجد أية ضمانة الا يتم عزل اي قائدا عسكريا يأمر بمثل هذا القمع.

وفي المقابل يستخدم صلاح أساليب أكثر دهاء، فهو يستأصل العقبات مستهدفا إما تيسير التفاوض أو تحقيق زوال تدريجي لحركة المعارضة عبر تحقيق انقسام بداخلها وذلك بتطبيق نظرية “فرق تسد”.

وقد بدأ باعتقال السياسيين أولا. ففي إبريل الماضي أطلق حملة “ضد الفساد” والتي استهدفت العديد من كبار الشخصيات المقربين للرئيس السابق بوتفليقة من ضمنهم رجال أعمال بارزين وسياسيين كما تضمنت إثنين من رؤساء الوزراء السابقين وجميعهم قابعون الآن في السجن.

وفي الشهر التالي قام بأجرأ حركة على الإطلاق، حيث قام باعتقال الشقيق الأصغر للرئيس السابق بوتفليقة (سعيد) وإثنين من أقوي رؤساء جهاز المخابرات السابقين. وسعيد بوتفليقة كان يعتبر المساعد الرئيسي لشقيقه الأكبر وبخاصة بعد إصابة الأخير بالسكتة الدماغية اثناء تواجده في مكتبه. وقد كان القبض علي سعيد بمثابة إشارة واضحة للخلاف مع النظام القديم.

وما قام به وضع المعارضة في موقف صعب. فمن ناحية فإن أنشطة المعارضة في الجزائر تهدف إلى إزالة النظام القديم تماما. ومن ثم يجب على المعارضة أن ترحب بحملة” ضد الفساد “. ومن ناحية أخري فإن الطريقة التي أجريت بها تثير الشكوك بان صلاح قد قام بذلك حتى يتخلص من المعارضة من اجل ان يمهد الطريق لنسخة جديدة من النظام القديم.

واستهدفت حملة الاعتقالات ثلاثة من أفرع دائرة بوتفليقة وهي: السياسيين ورجال الأعمال والمخابرات، بينما تركت فرعا واحدا لم يمس وهو (الجيش).

بعد ذلك ولي الجيش انتباهه تجاه حركة المعارضة فقبض على بعض النشطاء من المعارضين وأغلق المواقع الإلكترونية المتعاطفة معهم. ولاحقا وفي الأول من يوليو انتهج الجيش تكتيكا جديدا فقام صلاح بحظر علم البربر في المسيرات وبدأ بالقبض على عشرات المتظاهرين ممن كانوا يلوحون به. وكما هو معلوم، فالبربر هم السكان الأصليون للجزائر قبل مجيء العرب، وكانوا قد لعبوا دورا أساسيا في حركة التظاهرات. وبتهديد هؤلاء الذين يلوحون بأعلام البربر بتوقيع الغرامات والسجن فإن صلاح يهدف من وراء ذلك إقصاء عنصرا أساسيا في حركة التظاهرات ومن ثم تقسيمها.

ولم يفلح هذا التكتيك على الإطلاق واستمرت التظاهرات وقد كان فوز الفريق الوطني في الاسبوع الماضي بمثابة دفعة للمتظاهرين حيث يتكون الفريق الوطني الجزائري من لاعبين من العرب والبربر على حد سواء.

وباستمرار المظاهرات في شهر أغسطس، فإن المواجهة بين الجيش والمتظاهرين تبدو حتمية. فالمتظاهرون يؤمنون بإمكانية إقناع الجيش بأن الرأي العام يريدهم أن يعودوا إلى ثكناتهم، بينما من ناحية أخري يسعي صلاح لحرمان المتظاهرين من سلطة التحدث للجمهور العام عبر جهوده التي يمارسها لتفكيك المعارضة.

وتعد إستراتيجية صلاح لتشذيب حركة المعارضة وكذلك الخصوم السياسيين بمثابة استراتيجية ذكية. إلا أنه يوجد بها مغامرة من الناحية السياسية. فكونه واجهة للجيش فإنه عادة ما يجعل دوره السياسي كنائب لوزير الدفاع يخوض سباق الرئاسة. ولكن كلما زادت مدة بقاءه في دائرة الضوء كلما ساء وضع منصبه.

لقد نجح الجيش الجزائري بسبب بقائه بعيدا عن الأضواء. فاللواء صلاح صار الآن هدفا للمعارضة ومن غير المتوقع أن ينجح في التفرقة بين المعارضة، وقد يجد المؤسسة التي يقودها تتخلي عنه قبل التراجع نحو الظل مرة أخري.

فيصل اليافعي هو الآن بصدد تأليف كتاب عن الشرق الأوسط وكثيرا ما يعلق على الشبكات التلفزيونية الإخبارية الدولية. عمل لدي العديد من وكالات الأنباء مثل الجاريان وبي بي سي وأورد تقارير من الشرق الاوسط وشرق أوروبا وآسيا وأفريقيا.