السقوط الأمريكي في أفغانستان

جوناثان جرونال

AFP photo: Shah Marai

بحسب قاموس ميريام وبستر فإن الغطرسة تنطوي على “كبرياء مبالغ فيه أو ثقة زائدة بالنفس”، ومن ثم فهي علة تصيب الشخصية كما تقول التراجيديا اليونانية الكلاسيكية، ” تلك العلة من شأنها أن تؤدي بالبطل إلى محاولة تجاوز حدود القيود البشرية وأن يصطنع لنفسه مكانة إلاهية”، وفي المقابل حين تستشعر الألهة بتلك المهانة تقوم حتما بازدراء هذا المسيء وتذكره بفنائه.

وبداية شهرة قائد الفرقة الجوية الأمريكية رقم 82 ، الجنرال كريس دوناهو، أو نهاية شهرته، سيظل عالقا في الأذهان كونه أنه في 30 أغسطس 2021، كان آخر جندي أمريكي يغادر كابول. ففي صورة ذات صبغة خضراء مثيرة للخوف لاقت انتشارا واسعا ظهر دوناهو وهو يستقل أخر طائرة من طراز C-17 تغادر أفغانستان، ويبدوا فيها وكأنه يشخص ببصره الى العالم كشبح المغامرات الإمبراطورية الفاشلة الغابرة.

وبينما كان جندي المظلات هذا يخطو باتجاه طائرة الهروب عبر مدرج الطائرات، كأن بالمرء يسمع صوت أحذية الجنود الروس والبريطانيين وهم يجرون أذيال الهزيمة حين مروا من نفس الطريق، فهم ضحايا غطرسة حكوماتهم في القرنين العشرين والتاسع عشر.

تمثل قصة دوناهو بشكل خاص، وحياته المهنية بشكل كامل أنموذجا تحذيريا للسقطات المأساوية التي عانتها أمريكا منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر في عام 2001.

كان دوناهو مُتواجدًا في مبنى البنتاغون يوم أن أصابته طائرة الخطوط الجوية الأمريكية 77 في ذلك اليوم المشؤوم. وكغيره من عشرات الآلاف من الأمريكيين الآخرين الذين عاد الكثير منهم إلى ديارهم في صناديق فولاذية، أُرسل دوناهو لاحقًا إلى أفغانستان، أولاً في عام 2002 ثم في ثلاث مرات لاحقة، كما عزز دوناهو من صورة أمريكا كشرطي للعالم في بلدان أخرى، لاسيما العراق وسوريا.

ومع ذلك، فمن العدل أن نذكر أن مثل تلك المهام لم تحقق لأمريكا ما هدفت إليه. ومع ذلك، وفقًا لمقابلة مع ايربون كروبس بودكاست الثامن عشر في مايو، وقتما كان التخطيط للانسحاب من أفغانستان يسير بخطى حثيثة، ظلت ثقة دوناهو التي تملؤها الحماسة كما هي تمامًا.حيث قال: “هذا الأمر ليس من الصعوبة بمكان بالنسبة لنا. يمكننا التعامل مع كل ما قد يطلب منا … كل ما تطلبه الأمة، ومهما تتطلبه القوات، يمكننا الوفاء به”.

كل ذلك باستثناء هزيمة طالبان التي لم ينالوها، بالطبع.

بينما تختفي ذكرى الجنرال كريس دوناهو، لن يبقى للعالم الغربي سوى التخلي عن قناعته المتغطرسة والتي تتمثل في أن نظرته للعالم هي النظرة الوحيدة الصحيحة، ومن هنا فان تبني موقف واقعي تجاه أفغانستان وطالبان سيكون بمثابة نقطة انطلاق جيدة.

يتعين على العالم أن يطرح على نفسه سؤالاً بسيطًا: هل يريد الفشل أم النجاح للبلاد، مع أو بدون وجود طالبان على رأس السلطة؟ ومن خلال حكمنا على ما تبثه القنوات الإعلامية منذ استيلاء طالبان على البلاد، فإن العالم يريد نجاح البلد.

وقد عكفت مكاتب الأخبار الغربية على استغلال كل قصة إخبارية غير مؤكدة تتناول طالبان، والتي يبدو وكأنها تُدير لعبة علاقات عامة جيدة، لكن يبدو في نفس الوقت إنها تنوي العودة لسيرتها الأولى.

في الوقت ذاته، وبينما، على ما يبدو، إن السياسيون الغربيون قد تناسوا إن قواتهم المسلحة قد تجرعت كأس الهزيمة، فقد شرعوا يثيرون الضجيج حول كيفية محاسبة طالبان، بينما تواصل العديد من الدول رفض الاعتراف بطالبان كحكومة للبلاد.

لا مُبالاة في كابول.

وسرعان ما سينكشف لعواصم الغرب أن ما يفكرون به بشأن أفغانستان لم يعد ذا جدوى. فعالم السياسة الواقعية هو الذي يحكم الأحداث في أفغانستان الآن، وتبدو تلك التهديدات زائفة وعقيمة. لقد جرب الغرب ذلك من قبل، هل تتذكرن؟ واقع الأمر الذي لابد لأفغانستان والعالم الاعتراف به هو أن البلاد أصبحت الآن في أيدي طالبان مرة أخرى، على الرغم مما بذلته أقوى دولة في العالم وحلفائها من تضحيات على مدى عقدين من الزمن.

إذا بقي الغرب جادًا بشأن محاولته مساعدة شعب أفغانستان، فلن يكون عليه فقط قبول وجود طالبان، لكن سيتعين عليه كذلك التخلص من سياسة الترهيب التي فقدت مصداقيتها والشروع في تقديم “الجزرة، أو سياسة الترغيب” والتي من شأنها أن تسهم رويدا رويدا في أن توائم طالبان مواقفهم بما يتماشى مع اتجاهات القرن الحادي والعشرين.

هل ستتغير البلد بين عشية وضحاها؟ بالطبع لا، ستكون هناك انتكاسات لا محالة، وكذلك أحداث تثير الرعب على مدى السنوات القادمة، لكن في مواجهة تحد إدارة دولة بأكملها، وخزينة تنقصها السيولة النقدية وشعب يتطلع إلى إجابات، كل ذلك من شأنه أن يجعل طالبان في حاجة إلى المساعدة والدعم ومن ثم ستسعى إلى الحصول على موافقة الدول الأخرى.

وبينما يتأمل العالم ذكرى 11 سبتمبر، التي دفعت بأمريكا إلى اطلاق أطول حروبها لمدة تربو على العشرين عاما، يجدر بنا أن نحسب التكاليف، ليس فقط لتلك الهجمات النكراء التي شهدها ذاك اليوم من سبتمبر من عام 2001، ولكن كذلك للمجازر التي أعقبت ذلك.

أودت الهجمات في ذلك اليوم بحياة 2977 مدنيا في أمريكا، ونتيجة لذلك، وفي محاولة يأسها منها قامت الحكومة الأمريكية بغزو أفغانستان والإطاحة بحركة طالبان، ومن المثير للسخرية أنهم هم الناس الذين دعمتهم بالمال والتدريب والأسلحة خلال السنوات العشر من الحرب السوفيتية الأفغانية. تلك العملية، التي لم تنجح في القبض على أسامة بن لادن، العقل المدبر لأحداث 11 سبتمبر، ولا في الإطاحة بطالبان، أدت إلى أزهقت أرواح زهاء 176000 شخص، وهي تكلفة بشرية كبيرة وفاتورة دموية ضخمة وفق جميع المعايير.

وكان من بين هؤلاء عدد 6247 أمريكيًا، وهذا يمثل أكثر من ضعف عدد الذين لقوا حتفهم في 11 سبتمبر، بينما قُتل 1144 جنديًا آخر من الدول الحليفة، وقُتل أيضا اكثر من 46000 مدني أفغاني، إلى جانب أكثر من 56000 مقاتل من المعارضة. ولم تكتف الولايات المتحدة بغزو أفغانستان وحسب، وإنما كان تغيير النظام في العراق هو البند التالي على جدول الأعمال، وهو الذي ثبت أنه أكثر تكلفة، حيث فقد حوالي 300000 شخص حياتهم.

إن “حرب أمريكا على الإرهاب” كلفها ما يقدر بنحو 6 تريليونات دولار، وكان نصيب أفغانستان منها 2 تريليون دولار، ولو استثمرت أمريكا الأموال تلك في محاولة بناء أفغانستان لكان لأفغانستان بل وللمنطقة باسرها شأن أخر.