السياسة التجارية الأمريكية تدفع بالاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى عدم الاستقرار

هيفاء المعشي

أدى التقشف الاقتصادي الأخير الذي انتهجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إصابة منافسيه وحلفائه التقليدين بالترنح. وبتلك الخطوات التي يبدو أن الهدف منها في أغلب الأحيان هو استمالة شعبيته المحلية أكثر من كونها إعداد نهجًا إستراتيجيًا متماسكًا، يكون الرئيس “ترامب” قد هدد باتخاذ سياسات تجارية غير تقليدية أو نفذها بهدف إعادة تشكيل المشاركة الاقتصادية الأمريكية في ظل تأثيرها غير المباشر والحتمي على الاقتصاد العالمي الأكبر.

أفصح الرئيس الأمريكي “ترامب” بوضوح أثناء حملته الانتخابية في العام 2016 عن العديد من قراراته التجارية، ومن تلك القرارات انسحابه المبكر من اتفاقية الشراكة التجارية عبر الأطلسي، وأحدثها كان العداوة المتقطعة مع الصين. ورغم ذلك، هناك شيئًا من عدم اليقين يكتنف تلك القرارات، في ظل تعهد الرئيس مؤخرًا بإنقاذ شركة الاتصالات الصينية رغم احتمالية استمرار الحرب التجارية الثنائية، فضلاً عن مؤشرات إعادة الانضمام إلى اتفاقية الشراكة التجارية عبر الأطلسي. وبالمثل، وضعت تعريفة الصلب والألومونيوم المفروضة على الحلفاء التقليديين مثل كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي بعض الأطرف في موقف محير.

ومن عدة أوجه، نال التوجه الجديد للإدارة الأمريكية إشادة بالغة من أصدقائها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فكان نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن البرنامج النووي الإيراني استمالة لحلفائها المنفصلين، لكنهم أساسيين، في المنطقة.

إن الموقف المتغير للاقتصاد الأمريكي العملاق والذي يبدو أنه يتجه تدريجيًا نحو احتمالية نشوب حرب تجارية سيتسبب حتمًا في صدمة فضلاً عن تأثيره على الدول التي لا يستهدفها القرار بشكل مباشر. ورغم ذلك، هل تكون التحذيرات بنشوب حرب تجارية أمرًا مبالغ فيه؟، فهناك أنماط مستقرة لدى “ترامب” حول خصوم ذوي مواقف سيئة بسبب سلوكهم المثير للجدل أو الغريب على ما يبدو. ومع ذلك، هناك تداعيات ملموسة قد وقعت بالفعل، ومنها فرض المكسيك رسومًا جمركية بقيمة ثلاثة “3” مليار دولار أمريكي على الولايات المتحدة الأمريكية، وتهديد كندا والاتحاد الأوروبي بإقامة دعوى قضائية. هناك دول منزعجة من السياسة التجارية العدائية التي تنتهجا أمريكا، وهي روسيا واليابان وتركيا. غير أن الخطر الحقيقي والذي لا يمكن تجاهله هو التحذير الذي أطلقته الصين مؤخرًا بخصوص تعليق المحادثات حول تقليص ميزان العجز التجاري الأمريكي، الأمر الذي قد يدفع نحو وقوع أزمة للاقتصاديين الأكبر في العالم.

تظل العلاقات التعاونية مع دول الخليج العربية لاسيما دولتي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من ركائز السياسة الخارجية للبيت الأبيض، وباستثناء طلب ترامب من المملكة العربية السعودية أن تنفق المزيد من المليارات على الدفاع، ظلت العلاقات التجارية بين البلدين هادئة نسبيًا، فقد دعمت الإدارة الأمريكية الاتفاقيات الطوعية الرامية إلى تسوية أكثر النزاعات الاقتصادية التاريخية إثارة للجدل والتي تتهم فيها أكبر خطوط الطيران الأمريكية الناقلات الإماراتية والقطرية بالمنافسة غير العادلة.

ورغم ذلك من المحتمل أن تتأثر دول الخليج تأثرًا متفاوتًا بتقلبات الاقتصاد العالمي واتضح ذلك منذ تداعيات الأزمة المالية في العام 2009 والتي حدثت بسبب الخلل الذي أصاب قطاع العقارات والقطاع المصرفي في الولايات المتحدة الأمريكية. إن موقع منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجسرٍ بين الشرق والغرب لكونها وبشكل ملموس مركزًا للشحن والخدمات اللوجيستية ومحاورًا أيضًا، يجعل المنطقة عرضة للتأثر بشكل أكبر بانخفاض حجم التجارة العالمي.

تمتلك دول الخليج أيضًا مصالح اقتصادية وسياسية وعسكرية متنامية في الدول الإقليمية التي تضررت بثورات الربيع العربي والصراعات الأخيرة، ومنها مصر والعراق وليبيا وتونس، ولهذه المصالح دور بشكل أو بآخر في تحقيق التوازن بين المشاكل الأمنية المزمنة والتنمية الاقتصادية الملحة. وتعتمد جميع تلك الدول على الاستثمار الأجنبي المباشر من جانب الدولة والقطاع الخاص، لأن النمو الاقتصادي وتحسين الظروف المعيشية للشعب يرتبطان ارتباطًا متكاملاً بالاستقرار طويل الأمد في تلك الدول.

ورغم ذلك، من المحتمل أن تكون الأبعاد الاقتصادية للانسحاب من خطة العمل المشتركة بشأن البرنامج النووي الإيراني رغم غض النظر عن تداعياته الأمنية، أكثر قرارات ترامب تأثيرًا على دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. تمثل محاولة الولايات المتحدة الأمريكية عزل إيران جزءًا من موقف أكثر تشدد تدعمه بعض دول الخليج، غير أن عواقب هذا الموقف قد تكون غير مقصودة ولاسيما دفع إيران أكثر تجاه بكين بحثًا عن أسواق بديلة للمنتجات النفطية. إن الخلاف الحالي بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الكبرى بالاتحاد الأوروبي ممن كانوا شركاء في الاتفاقية يعرض تقارب إيران مع الاتحاد الأوروبي أيضًا للخطر – رغم أن اختيار الشركات الأوربية الكبرى المقامرة بالعقوبات الأمريكية والانفتاح على الاقتصاد الأكبر في العالم من أجل إقامة علاقات تجارية مع إيران يظل أمرًا غير محتملاً.

سيظل لهيب عواقب جميع المبادرات الأمريكية مستمرًا لشهورٍ أو سنواتٍ حتى يخمد، ومع ذلك، تبين بالفعل صحة القاعدة التي تقول بأن عدم اليقين هو من يحرك المستثمرين طويلي الأجل. وأظهر الاستثمار في الأسواق المحلية فعليًا أن هناك قدرًا من الحيطة، ومع ذلك يجب التذكر بأن الرؤى الاقتصادية الطموحة لدول الخليج تُقاس بالعقود وليس بالسنوات. ويمكن الحل مع تلك الصدمات المتلاحقة قصيرة الأجل منها أو متوسطة الأجل وتحقيق الأهداف طويلة الأجل في التنوع الاقتصادي. يتعين على الدول الغنية بالمواد الهيدروكربونية التوقف عن الاعتماد على صادرات الطاقة لحماية نفسها من تأرجح الأسعار المرتبطة بالأحداث العالمية.

وكلما ابتعدت مخاطر واشنطن عن شركائها التجاريين من خلال السعي وراء التفاوض على “صفقات أفضل”، فمن المؤكد أن يستمر الاقتصاد العالمي في الترابط بشكل متزايد، ولم تعزز الاضطرابات الأخيرة إلا حاجة دول الخليج إلى معالجة تلك الحتمية من موقف القوة المستديمة.

Getty Images/AFP/Joe Raedle