استقبلت فيتنام للتو نائبة الرئيس الأمريكي، فهل ستستضيف طالبان يومًا مصنعًا أمريكيًا على الأراضي الأفغانيه؟

نايان تشاندا

AFP photo: Sajjad Hussain

عندما سيطرت طالبان على كابول، امتلأت القنوات التلفزيونية بالتعليقات التي تعكس التشابه مع سايغون الفيتنامية، وتم عرض صور الأشخاص اليائسين الذين كانوا ينتظرون ركوب المروحيات الأمريكية في سايغون في أبريل 1975 وطائرات الهليكوبتر من طراز شينوك التي تحلق فوق السفارة الأمريكية في كابول في أغسطس 2021 ويعد ذلك تشابهًا مذهلاً، ولكن ينتهي التشابه بالمعاناة الإنسانية التي تمثلها تلك الصور، والمقارنة السطحية هي فرضية خاطئة لاستخلاص أي استنتاجات سياسية، فمن سعى إلى الفرار من فيتنام كان يحاول الهروب من مستقبل سياسي سلطوي، في الجانب الأخر يخشى الأفغان العودة إلى الماضي المظلم، وقد تضمنت خطة التحديث للحكومة الفيتنامية الشيوعية في نهاية المطاف دورًا كبيرًا لعبته الولايات المتحدة الأمريكية، ولا دور للولايات المتحدة للعبه على الساحة الأفغانستانية تحت قيادة علماء طالبان الذي يمتلكون عقلية تنتمي إلى العصور الوسطى.

ومن المؤكد أن سكان مدينة سايغون الفيتنامية توجسوا خيفة في البداية من فرض تقشف ثقافي من قبل الحكام الشيوعيين المحافظين، مثل أن تحل سراويل البيجامة القطنية السوداء محل سراويل الجينز الشائعة لدى الجمهور، ومنع استخدام طلاء الأظافر وأحمر الشفاه، وما إلى ذلك. ولكن سرعان ما كان سكان مدينة سايغون الفيتنامية يسخرون من الجنود القرويون البسطاء والسذج، ووجدوا أن شيوعيين فيتنام الشمالية يحسدونهم على أسلوب حياتهم، بل ويريدون تبنى ذلك الأسلوب.

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، اعتمدت خطة التحديث الفيتنامية على كميات هائلة من المساعدات الأمريكية، وعلى اقتصاد قائم على التكنولوجيا الحديثة، وفي السنوات الثلاث الأولى التي تلت الانتصار، سعى النظام الحاكم في فيتنام إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع أمريكا، وبينما كان الاستراتيجيون الفيتناميون يحتفلون بانتصارهم التاريخي على الولايات المتحدة، فقد استوعبوا إن التهديد الفعلي و طويل المدى لأمنهم يأتي عبر الحدود من جانب الصين.

وقد قرأ الفيتناميون تاريخهم، وعرفوا إنه خلال معظم الألفية الأولى والذي حكمت فيه الصين فيتنام، اتسمت تلك الحقبة التاريخية بمحاولات صينية متكررة لإعادة السيطرة على بلدهم، وتوقع القادة الفيتناميون أن تتجاوز أمريكا الشعور بالخزي الذي تعرضت له بسبب الهزيمة وأن تقدر الدور التقليدي لفيتنام، والذي وصفه ريتشارد نيكسون ذات مرة بقوله “سدادة في زجاجة التوسع الصيني”.

ولكن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ومستشاره للأمن القومي السيد زبيغنيو بريجنسكي تقبلا التعاون مع الصين تحت قيادة رئيسها السابق دينغ شياو بينغ، طمعاً في فكرة تحديث الصين واستخدامها كثقل موازي للاتحاد السوفيتي. وبسبب تلك الخطوة لجأت فيتنام إلى روسيا عندما واجهت تهديدًا وشيكًا من قبل الخمير الحمر المدعومين من قبل الصين في كمبوديا، مما أدى إلى عقد من الصراع المنهك بين الدولتين الواقعتين في منطقة النهد الصينية.

وأدى تفكك الاتحاد السوفيتي إلى تغيير على خارطة المصالح الأمريكية، حيث احتاجت الأخيرة لمواجهة استراتيجية مع الصين، وأصبحت القيمة التي تحملها دولة مثل فيتنام واضحة المعالم. ويتضح ذلك من زيارة نائبة الرئيس الأمريكي السيدة كامالا هاريس إلى فيتنام، بالتزامن مع انهيار التواجد الأمريكي في أفغانستان. وأثناء وجودها في فيتنام، حثت كامالا هاريس الحكومة الفيتنامية على تبني علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وفيتنام هي نفس الدولة التي طردت الولايات المتحدة قبل 46 عامًا.

وبينما وضعت طالبان خطاً أحمر لرحيل القوات الأمريكية، شعر الفيتناميون في البداية بالارتياح لرؤية الأمريكيين يرحلون من بلادهم، ولكن بعد ذلك حرصوا على الترحيب بهم مرة أخرى بصفتهم شركاء الاقتصاد والتعاون الحكومي، وفي هذا العام عززت شركة إنتل استثماراتها في فيتنام بمقدار نصف مليار دولار، بالإضافة إلى إنفاقها الأولي البالغ مليار دولار في عام 2006، كما بدأت شركة كوكا كولا الاستثمار في فيتنام لأول مرة في عام 1994، واليوم تنتشر منتجاتها في كل مكان في البلاد. وفي 25 أغسطس، افتتحت نائبة الرئيس هاريس في هانوي المكتب الإقليمي للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض في جنوب شرق آسيا.

وبينما تواصل حركة طالبان سياستها الوحشية، فمن قبيل التمني تخيل خلاف ذلك، تذكرت تجربة مختلفة تمامًا مررت بها في سايغون في عام 1975، حيث عملت كمراسل لمجلة فار إسترن إكونوميك رفيو Far Eastern Economic Review.

ففي الأول من أيار(مايو) من ذلك العام، وبينما كنت أفكر في تناول وجبة الإفطار بعد قضاء ليالي طويلة من دون أن يغمض لي جفن، وبعد قضاء أيام مليئة بالإثارة بسبب طبيعة عملي كصحفي، وقد كانت رسالتي في اليوم السابق هي آخر رسالة لصحفي أجنبي قبل أن يقطع الفيتناميون الشماليون خط التلكس إلى العالم الخارجي، وكان هناك من يطرق على الباب، وخارج شقتي وقف جندي فيتنامي في زي أخضر، والمعروف باسم بودوي، ومعه مسدس كبير.

سمحت له بالدخول وأنا في حالة ذهول حتى يتمكن من التأكد من أنني لا آوي أي جندي من جنود النظام السابق، وكان من الواضح إنه أصيب بخيبة أمل وشيء من الإحراج، لكنني لاحظته وهو ينظر بحزن صوب البيض والخبز على طاولة المطبخ، ثم وافق بترحاب على دعوتي لمشاركتي وجبة الإفطار، وبعدها وضع الزائر المفاجئ، وكان أحد جنود فيتكونغ المخيفين، بندقيته جانبا وانهمك في تناول طبق البيض المقلي بكل نهم، وأنا أريه أحدث عدد من مجلتي، الذي تلقيته مؤخرًا من هونج كونج.

ولحسن الحظ، أظهرت صورة الغلاف القادة الشيوعيين الصينيين على خلفية لوحة كبيرة لفلاديمير لينين، ولم يستطع الفيتكونغ الشاب التعرف على القائد ماو أو زو إنلاي، لكن عند رؤيته لينين هتف بحماس، “لي نين، لي نين” ثم غادر وهو يصافح كلتا يداي بحرارة، حتى في عقر دار العدو في مدينة سايغون، اعتقد ذلك المقاتل الشاب أنه وجد أحد الرفاق.

وقد تذكرت هذه القصة عندما قرأت عن طالبان وهم يفتشون البيوت، بيتاً بيتا بحثاً عن الكفار، ولا شيء يمكن أن يظهر الفرق بين الأعداء الذين واجهتهم الولايات المتحدة في أفغانستان وفيتنام بشكل أوضح من موقف الثلاثة تجاه التاريخ الفكري، حيث يقود أمريكا الفيلسوف جون لوك، ويقود فيتنام، رسميًا على الأقل، الفيلسوف هيجل من خلال فلسفة ماركس، وقد يختلف كلا البلدين حول معنى الحرية، لكن يكرس كلاهما جهده لمنح شعوبهما شكلاً من أشكال الحداثة. وفي الجانب الأخر تريد طالبان العودة إلى الماضي العربي الذي يرجع إلى حوالي 1400 عام، وما تلى الانتصار الشيوعي في فيتنام، وما سيحدث على الأرجح بعد انتصار طالبان، ينبع في الأساس من هذا الاختلاف الجوهري. 

نيان تشاندا ، المحرر السابق لمجلة فار إست إكونيمك رفيو والمحرر المؤسس لموقع يل قلوبل أونلاين، وهو حاليًا أستاذ مشارك في العلاقات الدولية بجامعة أشوكا في هاريانا بالهند.