أعمار مديدة، وحياة ليست الأفضل

جوناثان جرونال

AFP Photo: Hazem Bader

لم يلتفت أحد إلى استقالة الحكومة الفنلندية بأكملها في شهر مارس سوى قلة قليلة. وتقع فنلندا في أقصى الشمال، ونادرًا ما ترد أخبارها في عناوين الصحف العالمية، غير أن ما حدث في الثامن من مارس كان معادلاً لمشهد البداية في فيلم كارثي – حيث يضرب زلزال بعض المناطق البرية البعيدة، مما أثار ذعر الحيوانات البرية فيها، وأنذر بوقوع كارثة عالمية. وتهاوت حكومة فنلندا بسبب مشكلة واحدة، وهي فشلها في التعامل مع مشكلة النظام الصحي والتي تزداد سوءًا، ولما لا وهي مشكلة يعاني منها جميع أطياف المجتمع الفنلندي تقريبًا.

إن انخفاض معدلات المواليد في العالم المتقدم يؤدي إلى انخفاض أعداد دافعي الضرائب المنتجين. وفي الوقت نفسه، توسعت عملية تحسين الرعاية الصحية في استيعاب عدد كبير من كبار السن. ومنذ قرن مضى، كان المتوسط العالمي للأعمار يزيد قليلاً عن 35 عامًا. واليوم، زاد متوسط الأعمار عن “72” عامًا. وفي عام 2016، حددت منظمة الصحة العالمية خمس دول فقط تتسم بارتفاع نسبة “الطاعنين” في السن، أي هناك شخص من كل خمسة أشخاص يبلغ عمره “65” عامًا أو أكبر، وبحلول عام 2030 سيصل عدد الدول التي تتسم بارتفاع عدد الأعمار الطاعنة إلى “35” دولة.

وحملت هذه الأخبار الجيدة مشكلة معها، وتتخلص في عبارة “العمر المتوقع حسب الحالة الصحية”. فإذا استمرت اتجاهات على نفس المستوى، فإن الشخص الذي يولد اليوم سيعيش حوالي سبعة أعوام أطول من الشخص المولود في عام 2000، وهو الأمر الذي يشكل في حد ذاته صعوبات للأنظمة المصممة لتلبية احتياجات الأشخاص الأقصر عمرًا. والأسوأ من ذلك، أنه بفضل ظهور الحالات المرضية المرتبطة بأسلوب الحياة كأمراض السكري والسمنة، فإن السنوات الإضافية التي سيعيشها الشخص، سيقضيها في معالجة صحته التي تزداد سوءًا فضلاً على تكلفة علاجها.

ويبلغ متوسط الأعمار المتوقعة في دول الخليج العربي الغنية “77” عامًا، وهو نفس متوسط الأعمال في أوروبا، ويصاحبها نفس المشاكل الصحية، والتي تنتشر في دول مجلس التعاون الخليجي بنفس سرعة التطور الاقتصادي الذي أعقب اكتشاف النفط. وتشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية إلى أنه على الرغم من أن معدلات البدانة العالمية تضاعفت ثلاث مرات منذ عام 1975، إلا أن بعض الزيادات المثيرة للدهشة كانت في الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والبحرين. وبالمثل، وتشعر دول مجلس التعاون الخليجي بفخر بدون داعي لكونها في طليعة الدول التي لديها أعلى معدل للإصابة بمرض السكري من النوع الثاني الناجم عن نمط الحياة – ويعاني من هذا النوع “20%” من البالغين في دولة الكويت، وترتفع النسبة في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى “29%”، و”55%” في البحرين.

وفي جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هناك 35 مليون شخص بالغ يعانون من مرض السكري، وهي حالة مرضية يمكن تجنبها بالكامل، وهو المرض الذي كلف منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا “20” مليار دولار أمريكي لعلاجه في عام 2017. ويقول الاتحاد الدولي للسكري، أنه مع حلول عام 2045، سيعاني من مرض السكري “84” مليون، وهو ما يتطلب “38” مليار دولار أمريكي سنويًا لعلاجه. ووفقًا لدراسة العبء العالمي للمرض لعام 2017، سترتفع تكاليف الرعاية الصحية إلى أكثر من “24” تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2040، مقارنة بـ”9″ تريليون دولار أمريكي في العام 2014. ولكن مع انخفاض معدلات الخصوبة في كل مكان، فمن يمول علاج هذا المرض؟

هناك بعض الدول أكثر عرضة من غيرها لمشكلة الرعاية الصحية الموقوتة. والأنظمة التي توفر لمواطنيها بصورة تقليدية الرعاية الصحية من المهد إلى اللحد ستكون أولى الدول المهددة بفشل نظام الرعاية الصحية فيها لأن التكاليف التي كانت يمكن توفيرها يومًا ما أصبحت خارجة عن السيطرة. وفي المملكة المتحدة، هناك هيئة الخدمات الصحية الوطنية، وهي هيئة لا تحصل على مقابل مباشر نظير الخدمة، كما أنها محط إعجاب دول العالم، وتعاني من خطر الانهيار تحت وطأة الطلب على الرعاية الصحية، حيث يعاني المرضى من طول وقت الانتظار بشكل غير مسبوق، حتى في حالات الطوارئ وعلاج السرطان.

وتسعى حكومات العالم جاهدة لإيجاد حلول قصيرة الأجل. وترفع العديد من تلك الدول، ومنها الدنمارك والسويد والمملكة المتحدة، سن التقاعد، وهناك دول أخرى تخشى الإقدام على تلك الخطوة التي يرفضها الشعب. وكان البرلمان الإسرائيلي قد أقر رفع سن التقاعد للنساء من “62” إلى “64” عام في 2003، غير أنه لم يجرؤ أحد على تنفيذ هذا القرار فعليًا منذ إقراره. وتندرج كلٌ من روسيا والصين والهند والمملكة العربية السعودية وتركيا ضمن الدول الثمانية في مجموعة العشرين التي يتقاعد فيها الرجال عند سن “60” عاما، أو أقل، وتؤدي مخططات التقاعد السخية التي تنتجها الحكومة إلى تراكم المشكلات لدى الاقتصاديات في أنحاء العالم.

وفي نهاية المطاف، لا يوجد نظام صحي، مهما كان هيكله أو تمويله، محصن من ارتفاع التكاليف. وتدير سنغافورة مزيجًا فريدًا من الخدمات العامة والشخصية والخاصة، ومن خلال هذا النظام يدفع الأفراد جزءًا من رواتبهم لصندوق الرعاية الصحية الشخصية، مما يولد استثمارًا يشجعهم ليس فقط على تحمل المسؤولية عن صحتهم، بل يحثهم أيضًا على البحث عن أفضل الأسعار نظير الحصول على تلك الخدمات. ورغم ذلك، فان النموذج السنغافوري يبدوا عليه التأثر من زيادة السكان ، فالتكاليف الطبية ترتفع  بنسبة تعادل  “10%” سنويًا، متجاوزة بذلك معدل التضخم العالمي في نظام الرعاية الصحية بنسبة “8,4%”.

وفي جميع أنحاء العالم، بما في ذلك دول الخليج، تدرك الحكومات متأخرًا مدى حاجتها إلى تثقيف السكان حول مخاطر الحياة الجيدة. وتفكر تلك الحكومات أيضًا في اتخاذ تدابير أخرى للصحة العامة، بدءًا من فرض الضرائب الجزائية على المشروبات السكرية وصولاً إلى تدوين المعلومات الغذائية بشكل إلزامي على معلبات الأطعمة. وأن يُطبق هذا الإجراء متأخرًا، أفضل من ألا يطبق مطلقًا، بيد أن جميع تلك المبادرات كانت محل تجربة في أماكن أخرى، ولكن لا يوجد دليل على أنها قدمت الإضافة المرغوبة.

وهناك مأساة شخصية وأكبر منها اقتصادية وهي أن سوء الصحة التي أصابت البشر في الأعوام الأخيرة أمرًا يمكن تجنبه تمامًا. وأظهرت دراسة تلو الأخرى أن العوامل الرئيسية التي تتحكم في تكاليف الرعاية الصحية في كل مكان هي الحالات الطبية الناجمة عن الاختيارات السيئة لأسلوب الحياة الشخصية – مثل الخمول البدني والسمنة وارتفاع الكوليسترول وارتفاع ضغط الدم.

فإذا كان هناك أي أمل في نزع فتيل مشكلة الرعاية الصحية الموقوتة، فمن المؤكد أنها تكمن في عبارة “المسؤولية الشخصية”. مثلما يجب على كل واحد منا أن ينظر في تأثيرنا الشخصي على ظاهرة الاحتباس الحراري، فيجب علينا أيضًا مراعاة تأثير أنماط حياتنا على صحتنا على المدى الطويل، وعلى اقتصاديات المجتمعات التي نعيش فيها. فإذا فشلنا في فعل ذلك، كما هو الحال مع تغير المناخ، فسيدفع أطفالنا ثمن هذا الفشل.