على متاحف الدول الغربية أن تعيد القطع الأثرية لتفيد الدول التي تنتمي لها بالأساس

جوناثان جرونال

AFP photo: Stephane De Sakutin

هل يوجد أي فارق بين الآثار التي سلبها البريطانيين أثناء فترة الاحتلال وتلك التي أخذت تحت غطاء الفوضى التي أحدثتها طالبان وداعش في كل من أفغانستان والعراق في القرن الحادي والعشرين؟ الإجابة طبقا للمتحف البريطاني، هي أنه بالنسبة للحالة الأخيرة فإن الآثار تعد منهوبة بعكس الحالة الأولي فالآثار تعد مكتسبة.

إنها تفرقة تفتقر إلى أي أساس أخلاقي، فلا فارق بين ما إذا تم الحصولعليها بقوة السلاح أو من قبل عالم آثار، فهو نهب في كلتا الحالتين.

أطل علينا في الأسبوع الماضي السيد / هارتويج فيشر مدير المتحف البريطاني وذلك من خلال إذاعة البي بي سي ليحدثنا عن دور المتحف في إعادة تسعة رؤوس من الطين البوذي تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد كانت قد نهبت من أفغانستان وتم ضبطها بمطار هيثرو عام 2002. وكان مدحه لذاته يسير علي خير ما يرام حتى سقط في الفخ بسؤاله عما إذا كان المتحف يخطط لإعادة الأشياء التي يحوزها والتي نهبت بذات الطريقة حتى وإن كان ذلك يعود لقرن مضي وربما قبل ذلك؟ ما تلي السؤال كان دفاعا غامضا وغريبا عن موقف لا يمكن الدفاع عنه. فأخذ يقول إن المتحف البريطاني كان يعد في الماضي بمثابة “أداة فعالة للغاية” في اكتشاف الثقافات القديمة بالشرق الأوسط.

إذا فهل يكتشفوا الأشياء ليحتفظوا بها؟

إلى جانب ذلك، فإن المتحف قد قام بالعديد من الاكتشافات عن الثقافات القديمة “ففي حين لم تكن توجد دولة كالعراق، على سبيل المثال، كان هنالك اتفاق واضح يفيد بأن تذهب بعض المكتشفات إلى المتاحف البريطانية ” والسؤال هنا مع من كان هذا الاتفاق الصريح؟

قبل نشوب الحرب العالمية الثانية كانت بلاد الرافدين جزءا من الامبراطورية العثمانية، والتي لم يكن لديها أي حق أخلاقي في أن تفرط في إرث الدول العربية الخاضعة لها. وحتى وقت قريب وخلال القرن التاسع عشر الميلادي جاب علماء الآثار الأوربيين سوريا والعراق دون رادع وأخذوا يوفدون الكنوز الآشورية والبابلية إلى متحف اللوفر بباريس والمتحف البريطاني بلندن، ولقد كان العثمانيون بالمناسبة هم من سمحوا للسفير البريطاني (لورد إلجين) في عام 1800 ميلادية بأن يستولي على نصف المنحوتات الإغريقية الموجودة في البارثينون في أثينا وقد توسلت الحكومات الإغريقية المتعاقبة لأجل استرجاعهم ولكن دون جدوى.

وإبان الحرب العالمية قامت عصبة الأمم بمنح البريطانيين ثلاثة أقاليم وهي الموصل وبغداد والبصرة والذين عينوا ملكا ليقوم على تسيير أمور الدولة الخاضعة لها والتي أسموها العراق. حكم هذا الملك الدمية العراق منذ عام 1921 حتى منحت بريطانيا الاستقلال للعراق وكان ذلك عام 1932، وقد وجد خلال هذا العقد من الزمان العالم الأثري ليونارد وولي، والممول من قبل المتحف البريطاني، وقد اكتشف ولي مدينة أور السومارية. ويوجد اليوم ما يزيد علي 17000 قطعة أثرية غادرت موطنها بفضل وولي.

ولقد أحسن المتحف البريطاني فيما فعل في العراق حيث قام على تدريب الأثريين ضمن جهوده المبذولة نحو إعادة القطاع المعني بالآثار إلى سابق عهده وذلك بعد التخريب والدمار الذي تسبب فيه الغزو الغربي للبلاد. غير أن تلك المبادرات، كالتباهي حول الرؤوس الطينية الأفغانية، ليست سوي مجرد بوادر إذا ما وضعت ضمن إطار المجموعة الضخمة التي يحويها المتحف والتي تتعدي 170000 من كنوز بلاد ما بين النهرين وحدها والتي نقب عنها ثم تم شحنها بمعرفة الأثريين البريطانيين والمخولين وحدهم بذلك بموجب مرسوم إمبراطوري.

وفي مارس من هذا العام عندما أعادت الحكومة البريطانية أحجره حدودية أو “كودورو” يعود عمرها لأكثر من 3000 عام إلى بغداد، فإن ذلك كان بمثابة تقديرا لتاريخ العراق وثقافته الغنية “بإعتبارها لب هويته الوطنية المعاصرة “. وإعادة تلك الأشياء كان بمثابة مثال واحد فقط للتدليل على الالتزام الساري للمملكة المتحدة بمساعدة العراق في أن تخلق لنفسها مستقبلا مزدهرا وآمنا.

ويعد هذا الامر نفاق بين، فالعراق يعد موطنا لبعض من أعظم المواقع الأثرية على هذه الأرض، ويمكن للبلاد أن تستفيد بشكل ضخم من ازدهار السياحة معتمدة على ذاك الإرث الرائع، الا ان معظم ما اثارها قد تهربيه الى العواصم الغربية. فما الذي تحتاجه دول الشرق الاوسط حتى تفتخر بتاريخها وتستفيد من إرثها، وهذا ليس بمثابة شيء عرضي أو منحة تمتد بها يد من سرقوا هذا الإرث وإنما بمثابة عودة هذا الإرث لحيث ينتمي؟

وهنالك مثلا متحف البصرة الذي أفتتح حديثا، ويحتوي على حوالي 100 قطعة أثرية سلبت ثم عادت، غير أنه لا يحتوي على عشرات الآلاف من القطع المنهوبة التي تنتمي إليه والتي نهبت في أوقات سابقة وهي الآن مبعثرة بين متاحف العالم. وهذا يشمل جزءا من بوابة عشتار المذهلة والتي تعود بعمرها إلى 2500 عام مضت وقد سلبت من أنقاض حصن بابليون من قبل الأثريين الألمان وكان ذلك في بدايات القرن العشرين وهي الآن تزين متحف بيرغامون ببرلين.

والمتحف البريطاني والذي يطلق على نفسه (متحف العالم، لكل العالم) يدعي بأنه من الأفضل أن تتركز كنوز هذا العالم بمكان ما بحيث يتمكن العديد من الناس من رؤيتها. غير أن هناك عيب واضح في ذلك وهو أن الغالبية ممن يعرض إرثهم هنالك لن يكونون أبدا قادرين على تحمل كلفة السفر إلى لندن حتى يروا هذا العرض.

والسبب الحقيقي والذي يجعل المتاحف الغربية مترددة بشأن التخلي عن مكاسبها المشبوهة هو أن تلك الكنوز الأثرية هي مدرة بالفعل للأموال. فمعروضات كتلك التي بالمتحف البريطاني وكذلك متحف اللوفر تدر عائدا أساسيا من السياحة لصالح دولهم – ذاك العائد الذي كان يجب أن يكون لصالح الدول التي لها الحق فيه كالعراق.

ولا يزال بالإمكان تغيير الوضع، ففي العام الماضي تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإعادة القطع الأثرية التي أخذتها فرنسا أثناء فترة الاحتلال. وفي ديسمبر استجاب المتحف البريطاني أخيرا لضغوط نيجيريا التي استمرت على مدار 60 عام ووافق على إعادة مجموعة مذهلة من اللوحات البرونزية التي تعود للقرن السادس عشر الميلادي في عهد مملكة بنين والتي قد نهبها الجنود البريطانيين في عام 1897.

ولابد من أن ترأب التصدعات التي تسبب فيها الاستعمار، وربما يتم ذلك بتحالف أممي للضغط بشكل جماعي لأجل إعادة تلك الكنوز لموطنها بدعم من هيئات كاليونسكو والأمم المتحدة وكذلك المؤسسات الثقافية. إننا نعيش بعصر يجب أن نتدارك فيه الأخطاء التاريخية ونصححها. ولا يزال المتحف البريطاني يروج لنفسه بعبارة “متحف العالم” بينما هو يتألف من مقتنيات أخذت بغير حق أخلاقي، وهذ بمثابة غرور لم يعد له مكان في عالم ما بعد سقوط الإمبراطورية.

جوناثان جورنال هو صحفي إنجليزي، عمل سابقا بجريدة التايمز، وعاش وعمل بالشرق الأوسط وهو الآن مقيم بلندن