أردوغان على خطى “ديغول” وتأثير ذلك على الشرق الأوسط والغرب

عمر تاسبينار

مازال صامويل هنتنجتون يلقي بظلاله على تركيا الحديثة، وهذا أمر مؤسف. وذات مرة، وصف هذا الراحل والذي عمل أستاذا في جامعة “هارفارد”، تركيا بأنها دولة “ممزقة” بين الشرق والغرب. وبالتالي، وبناء على نظرة هنتنجتون العالمية المزدوجة لصراع الحضارات، فإن الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” إسلامي خطير عازم على ترميم التراث العلماني الذي خلفه “مصطفى كمال أتاتورك”، الأب المؤسس لتركيا المستغربة. ومن ثم، يرى الكثيرون أن الخلاف المتزايد بين تركيا والغرب سببه تلك الصحوة الإسلامية في تركيا.

وتكمن المشكلة في أنه لا يوجد فعليًا شيء ثنائي أو أبيض وأسود. ومن المسلم به أن الإسلام يمارس دورًا في سياسات أردوغان، غير أن المحرك الحقيقي لرؤيته الإستراتيجية هي القومية، وهي الأيدولوجية التي تجذب جميع الأتراك – العلمانيين والمحافظين والتقدميين والإسلاميين وما شابه. والخطأ الذي صاحب هنتنجتون وغيره من أنصار الفلسفة الحتمية هو مبالغتهم دومًا في تقدير الدين والسياسة على حساب القومية. وفي الوقت الحاضر، لم تعد الأفكار التقليدية في الشرق والغرب” و”الإسلام والعلمانية” من الأفكار التي تستوعب تعقيد السياسة الداخلية والخارجية في تركيا.

وفي حقيقة الأمر، هناك طريقة أكثر دقة في التعرف على تركيا المعاصرة وهي تحديد أوجه التشابه بين قائد تركيا الشعبوي، والرئيس الفرنسي الراحل شارل ديجول، والذي بسبب معاداته للأمريكان والقومية، دفع فرنسا، من بين أشياء أخرى، إلى الانفصال عن هيكل القيادة العسكرية الموحدة التابعة لحلف الناتو في العام 1966. ولم ترجع فرنسا إلى حلف الناتو كعضو كامل إلا في العام 2009، ولكنها لاتزال محتفظة بحقها في الردع النووي وهو ما تحقق لها في ظل سعي الرئيس شارل ديجول للاستقلال التام عن واشنطن.

وتمتد أوجه الشبه بين الرئيس التركي “أردوغان” والرئيس الفرنسي “شارل” إلى السياسة الداخلية أيضًا، وتحولت فرنسا تحت قيادة “ديجول” ودأب منه إلى نظام رئاسي قوي، وهو ما تشهده تركيا أيضًا تحت قيادة “أردوغان”.

وبالطبع لا توجد مقارنة مثالية، لأن فرنسا دولة ذات عادات ديمقراطية أعمق بكثير من تركيا، وليس أردوغان كشارل ديجول عندما يتعلق الأمر بالمرجعية الفكرية والسياسية لكلٍ منهما. ورغم ذلك، فإن ما يحرك رؤية أردوغان عن تركيا، والتي تشبه رؤية ديجول عن فرنسا، هي فكرة محددة عن تركيا وهي إعادة صياغة الفكر الديغولي المستند إلى الاستقلال والسيادة وعظمة الإمبراطورية. وربما يكون أردوغان نسخة أكثر استبدادية من القائد الفرنسي، إلا أنه يشترك معه في قدرته على احتكار الإرادة الوطنية.

وفي حين أن فرنسا نجحت في الموازنة بين المظاهر الخطيرة للفكر الديغولي من خلال تطبيق إجراءات الرقابة والتوازنات المؤسسية ، فإن تركيا تخلو في عهد أردوغان من مثل تلك العقبات التي تحول دون استبداد القيادة. وهذا هو السبب في أن التهديد الحقيقي في الوقت الحاضر أمام التوجه التركي تجاه الغرب والديمقراطية لم يعد الأسلمة، بل القومية التركية ذات القاعدة العريضة، وسخطها من الليبرالية والتعددية.

وأصبحت القومية في الآونة الأخيرة أكثر إثارة للقلق، لأنها سمحت، في أعقاب الانقلاب الفاشل في العام 2016، لأصحاب النزعة القومية المتطرفة بإعادة تنظيم أفكارهم السياسية التي تهدد بجر تركيا إلى الفاشية. وفي الأساس، ما حدث هو تزاوج بين أردوغان والقومية المتطرفة (أو حزب الحركة القومية)، والجيش التركي (أو ما تبقى منه، منذ إعفاء أكثر من ثلث كبار الضباط من مناصبهم أو اعتقالهم منذ العام 2016).

وعلى صعيد السياسة الخارجية، تشترك التناقضات السياسية المفترضة – وهي الإمبراطورية العثمانية الإسلامية الجديدة والمنهج العلماني لكمال أتاتورك – فعليًا مع الرؤية الديغولية حول الدولة التي تناضل لنيل سيادتها واستقلالها عن الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. فضلاً عن أن كلا الطرفان ناقم على الدعم الغربي للأكراد ورجل الدين التركي “فتح الله غولن” والذي ترفض واشنطن ترحيله رغم الاتهامات التركية الموجهة له بتدبير الانقلاب الفاشل.

ومن المسلم به أن هناك اختلافات بين الكماليين والعثمانيين الجدد، ويظهر هذا الاختلاف أكثر على مستوى السياسات المحلية. ورغم وجود تلك الاختلافات، فهناك قواسم مشتركة بينهما أكثر مما هو متوقع، فكلاهما، على سبيل المثال، يعادي الأكراد معاداة شديدة. وبالرغم من الاختلافات الكبيرة بين “القومية العلمانية” لدى الكماليين” و”القومية الدينية” لدى العثمانيين الجدد، فإن كليهما يؤيد وبقوة المصالح القومية المستندة إلى الحنين إلى التفوق التركي والاستقلالية عن الغرب.

إن العثمانيين الجدد والكماليين، ولاسيما أنصار الفكر “الأوراسياني” (والذين لهم حضور جيد وسط الضباط العسكريين الذين يتقلدون الآن مناصب متقدمة في صفوف الجيش) ، هم أنصار التحالفات الإستراتيجية الإقليمية التي تعزز النفوذ التركي ضد الشركاء الغربيين في التحالف عبر الأطلسي. وفي النهاية، يتفق كلٌ من العثمانيين الجدد والكماليين على رؤية، محورها ان تصبح تركيا القلب النابض في هذا العالم.

إن الهجوم العسكري التركي في شمال سوريا، وتزايد معاداة الولايات المتحدة ، وتقاربها مع روسيا وإيران، وإحباطها من الاتحاد الأوروبي، وحربها ضد الجماعات الكردية الموالية لحزب العمال الكردستاني، كلها عوامل تساهم في نمو الديجولية التركية. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية ، فإن ما سيظهر ليس نظامًا إسلاميًا، بل تركيا ذات توجه استراتيجي أكثر تحديًا واستقلالية وثقة بالنفس وتمركزًا – وباختصار ، أي تركيبة تركية مغايرة للتركيبة الديجولية.

وكما هو الحال في سياسات شارل ديجول المناهضة لأمريكا والناتو في فترة الستينات من القرن الماضي، فإن تركيا الديجولية تشكك بالفعل في عضوية أنقرة داخل الهيكل العسكري الأطلسي، وتتساؤل عن الحكمة من انتظار عضوية بعيدة المنال في الاتحاد الأوروبي. وفي سعيها لنيل الاستقلال التام والسيادة الكاملة والنفوذ الإستراتيجي، والأهم من ذلك، “المجد والعظمة التركية”، قد تختار تركيا الديغولية “قوتها الضاربة” – وهي الردع النووي – والمشاركة في السياسية الواقعية مع دول مثل الصين والهند وروسيا.

إن الغرب، المهووس برؤية هنتجتون عن صدام الحضارات، يتجاهل هذا الاتجاه الديغولي في تركيا رغم معرفته بتداعيات هذا التجاهل. وبنفس القدر من الأهمية ، يجب على بقية دول الشرق الأوسط – نظراً لأنها أكثر قربًا إلى تركيا – أيضاً أن تدرس التداعيات الإستراتيجية لهذا الاتجاه الديجولي عليها.

عمر تاسبينار، هو احد كبار الباحثين في معهد بروكينغز، وأستاذ إستراتيجية الأمن القومي في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن.

AFP PHOTO/ADEM ALTAN