ماذا حققه مؤتمر دافوس خلال العام الحالي (أو أي عام آخر)؟

جوناثان جرونال

عاد أصحاب المليارات إلى بلادهم، عقب الدعوة التي تم توجيهها إليهم لحضور مؤتمر دافوس الأسبوع الماضي؛ حيث قام هؤلاء بالاستجمام تحت سماء المنتجع السويسري، وهو المشهد المألوف، والذي يُعبِر عن حدث هام أخذ مكانه للتو، ومرة أخرى، تتدفق قادة الرأسمالية (التي تم تغيير علامتها التجارية لتصبح العولمة 4.0، أو الثورة الصناعية الرابعة)،  وقاموا بالتعطُف على البشر والاجتماع في هذا المكان الذي يشبه جبل أوليمبوس (مقر البضائع الرئيسية على مستوى العالم) لتقديم الحِكمة لباقي شعوب العالم.

وقد قام المتحدثون في المؤتمر بتقديم حلول للمشكلات الاجتماعية المُلِحّة، بدءًا من التغيُر المُناخي وحتى نقص الغذاء، وعادة ما يتم طرح حلول لتلك المشاكل الساخنة باقتراح وهو: أن اترك الأمر للسوق (وهو ما يأتي في صالح أصحاب المليارات بالطبع). وخلال مؤتمر دافوس قد تم التأكيد مرة أخرى أن العولمة 4.0 سوف تنقذ العالم.

ويعُد دافوس بمثابة حفل صاخب يُقام كل عام لمناقشة الاقتصاد العالمي، لمجموعة أشخاص قاموا بتنصيب أنفسهم بالحُكم على الأشياء ذات الصلة بصناعة التاريخ، ومن العجيب حقًا أن يكون هذا هو حال منظمة تأسست في العام 1971 كمنتدى متواضع للإدارة في أوروبا، وأن تحصل تلك المنظمة على ثقة المنتدى الاقتصادي العالمي WEF، حيث تحولت تلك المنظمة في العام 1987 إلى المنتدى ذاته، وباتت تمتلكه فعليًا.

ويعج المنتدى بالأغنياء والمشاهير، ويتزاحم معهم قادة العالم، من أجل الحصول على مكان على طاولة المنتدى (دافوس)، ولا يمكن لأحد أن يلوم هؤلاء القادة، فالمسألة تتعلق بالمال، وهؤلاء الذين يتحكمون في قرارت الاستثمار، التي يمكن لها أن تؤدي إلى تنمية أو تدمير اقتصادات الدول، وفي دافوس يمكن العثور على هؤلاء الأشخاص جميعًا تحت سقف واحد، لذا فقد كان من المفاجئ أن يقوم الرئيس البرازيلي اليميني الجديد المثير للجدل جاير بولسونارو خلال الأسبوع الماضي باختيار دافوس، كأولى الوجهات الذي يذهب إليها خارج البلاد كرئيس للبرازيل.

وتلك هي حقيقة الثقل الدولي الذي يتمتع به المنتدى الاقتصادي العالمي WEF، وتلك هي طبيعة الفرص العديدة التي يقدمها المنتدى للكثير من الممثلين، هؤلاء الذين لا يتاثرون بالتناقضات التي تحيط بالمنتدى، حتى هذا العام، حين صعد المذيع البريطاني إلى خشبة المسرح في منتدى دافوس، وحث من بيدهم القرار إلى سرعة لتحرُك لمواجهة ظاهرة التغيُر المُناخي قبل فوات الأوان، في الوقت الذي كانت هناك العديد من الطائرات الخاصة التي تتزود بالوقود في مكان قريب من المنتدى.

وهناك حالة من التقديس للثورة الصناعية الرابعة من قبل المتحدثين، وهو المصطلح الذي نحته مؤسِس المنتدى الاقتصادي العالمي WEF”كلاوس شواب” في العام 2015، وهو المفهوم الغامض الذي يحمل في طياته مجموعة كبيرة من التكنولوجيات المُدمِرّة، بدءاً من الذكاء الاصطناعي والروبوت (الإنسان الآلي) وحتى تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية، وكما أشار رئيس الوزراء الكندي “جاستن ترودو” خلال منتدى دافوس، فإن “الثورة الصناعية الرابعة لن تنجح، إلا إذا قامت بتوفير الفرص لمليارات البشر الذين لم يحظون بفرصة للحضور إلى منتدى دافوس”، لكن على أ{ض الواقع لا توجد شواهد على أن دعوة “جاستن ترودو” من الممكن أن تصبح حقيقة.

ولا يعني هذا أن اختراعات مثل السيارات بدون قائد، أو الكاميرات الدقيقة التي تُستخدم في العمليات الجراحية هي اختراعات مضرة، لكن الهدف من ورائها ليس هدفا نبيلا بل هو تحقيق الربح.

وبالمثل، فالخير لا يعُد الدافع الرئيسي لأصحاب المليارات الذين تزاحموا للذهاب إلى دافوس من خلال طائراتهم من طرازات “جلف ستريم” و”جلوبال إكسبرس” الباهظة الثمن، والهدف الرئيسي لهؤلاء هو الحصول على الثروة، لمنفعتهم الشخصية، ولمنفعة عائلاتهم ومن يرثونهم.

والواقع أن هناك الكثير من كبار الأثرياء يقدمون مبالغ طائلة لأعمال الخير، لكن حتى هذا الخير الذي لا يرقى إليه الشك له وجه آخر، فالتبرع بالمال أفضل لهؤلاء من تسديد المال في صورة ضرائب، ويظهر هنا سؤال هام: هل المنافع التي يتم الحصول عليها عبر تلك التبرعات تساوي الخسائر التي تصيب المجتمع بسبب تخفيض الضرائب التي يسددها الكبار وتذهب إلى الفقراء؟.

وكان الحُكم للتقرير الصادر عن منظمة “أوكسفام” الخيرية، والذي تم عرضه في دافوس، وكانت الإجابة: نعم، ومسألة “الثروات الخاصة أو المنافع العامة” تملك دليل إدانة، لأن منافع تلك الثروات تذهب إلى أقلية قليلة، ولكن يستغلها الكثيرين لصالحهم، ويشير تقرير “أوكسفام” إلى أنه خلال العام الماضي تجاوزت ثروات أغنى 26 شخص على مستوى العالم، تلك الأموال التي بحوزة 3.8 مليار من الفقراء على مستوى العالم.

والإجابة ببساطة تشير إلى أن فعل الخير أسهل بكثير، ويتمثّل في فرض نظام للضرائب يكون أكثر عدلًا، وعلى مستوى العالم فإن كبار الأثرياء يسددون نسبة من الضرائب أقل بكثير مما يمتلكون بالفعل على مدار عقود، ولو أن الأغلبية الغنية التي تمثل 1% قامت بتسديد الضرائب بزيادة تبلُغ 0.5% فقط، فان تلك الزيادة ستكون كفيلة بتعليم 262 مليون طفل، وهُم المحرومون من التعليم على مستوى العالم، كما ستكفي تلك الزيادة لإقامة منظومة للرعاية الصحية تنقذ حياة 3.3 مليون شخص على مستوى العالم.

وفي دافوس، ىفقد اجتمعت مرة أخرى الثروة والقوة، وقام روادها بإلقاء المواعظ للعالم حول جميع الأشياء التي تحدث على الكرة الأرضية، ولكن هؤلاء فشلوا في الإجابة على سؤال واحد: هل هناك أسباب أخرى سوى جمع المال والحصول على مزايا، تدفع بهؤلاء لعمل الخير؟.

وفد أشار “إيتيين ديفيجنون” الرئيس السابق لمجموعة”بيلدربيرج”، وأقدم المشاركين في دافوس، وهو من أحد المنافسين الغامضين، إلى رفضه لنظرية المؤامرة التي تقول أن هذا المنتدى هو عبارة عن حكومة خفية تحكم العالم، وأضاف “لو أننا فعلًا نمثل حكومة سرية ؛فيجب أن نخجل من أنفسنا”، والمقصود من حديثه أنهم لم يفعلوا الكثير من أجل تحسين أحوال العالم، لكن هذا الحكم بالأساس يعتمد على الانطباع الشخصي، وقد أدلى به شخص ينظر من شباك طائرة خاصة فوق دافوس، لذا فإن العالم سيظهر بالنسبة لهذا الرجل وأمثاله في مظهر رائع وخلافًا للحقيقة.

وربما يكون المنتدى الاقتصادي العالمي محقًا حين يعلن بفخر التزامه بتحسين أحوال العالم، لكن لا يحق لأحد اتهام أي شخص بنظرية المؤامرة إذا ما قام بتوجيه السؤال: من أجل ماذا يعمل هؤلاء المجتمعين في دافوس؟.

AFP PHOTO/FABRICE COFFRINI