هل يكمن الحل في “الدخل الأساسي الشامل” إذا استحوذ الذكاء الاصطناعي على جميع الوظائف؟

جوناثان جرونال

AFP photo/Ingo Wagner

لفترة  زمنية قصيرة، بدا وكأن “الدخل الأساسي الشامل” قد يكون الحل السحري للقضاء الوشيك والمتوقع على جميع وظائفنا.

إن التطورات الهائلة في مجال الروبوتات والذكاء الاصطناعي تهدد بالفعل الوفرة المنتشرة في المورد البشري، وذلك مع أول تقليص يلوح في الأفق على نطاق واسع للعمالة التي تسعى لكسب قوتها. وتتسابق الشركات من “جنرال موتورز” إلى شركة “وايمو” التابعة لشركة “جوجل” لتكون أول من يغمر الطرق بالسيارات ذاتية القيادة.

وفي دبي – تلك المدينة التي تخطوا بسرعة نحو الريادة في تطبيق التغيرات التكنولوجية – تتصور إستراتيجية النقل الذاتي في الإمارة أنه سيتم تسيير ربع جميع الرحلات في المدينة آليًا بحلول عام 2030. كما أن الثورة في مجال النقل ما هي إلا مجرد بداية للاضطراب الذي قد ينتج عن ما يسمى “بالثورة الصناعية الرابعة”.

ويشهد العالم فعليًا ما يسميه الاقتصاديون “استقطاب الوظائف”، فكلما انخفض الطلب على “أصحاب المهارات المتوسطة”، زاد الطلب على كلٍ من العمالة الماهرة  ذات الأجور المرتفعة، والمهارة المنخفضة ذات الأجر المتدني. وفي العام 2017، قال “إيلون مسك”، المدير التنفيذي لشركة “تسلا” والمسؤول عن وضع خططها المستقبلية، أمام القمة العالمية للحكومات في دبي، إنه في مواجهة الوفرة الوشيكة في المورد البشري، فهناك حتمًا شكل من أشكال الدخل الأساسي الشامل.

وليس “إيلون” الوحيد وسط معوقات العصر الحديث الذي يشير إلى أنه ليس أمام العالم سبيلاً للحد من الفوضى الاجتماعية التي يخططون لها سوى منح الجميع دخلاً ثابتًا بدون عمل. وقد نالت فكرة “الدخل الأساسي الشامل” الدعم من أمثال “أندرو نج”، كبير العلماء في الشركة العالمية للتكنولوجيا “بايدو”، و”ريموند كرزويل”، المسؤول عن الخطط المستقبلية لشركة “جوجل” ومدير أعمالها الهندسية.

إن كرزويل، والذي يعتقد أن الذكاء الآلي لا يمكن تمييزه عن الإنسان قبل عام 2040، على يقين أيضًا بأن “المال الحر” سيكون شائعاً بحلول ذلك الوقت. ويضيف “كرزويل”، بأن تطبيق فكرة “الدخل الأساسي للجميع” سيساعد المجتمع على التفكير بشكل مبدع [و] تطوير صناعات جديدة”.

إن العمل الذي يكثر فيه الجدال أصبح مفهومًا قديمًا، إذ يتصور العديد من الاقتصاديين أن ثمة نظام اقتصادي عالمي جديد يقدم فيه الأشخاص الآخذون في الثراء ما يكفي الآخرين لتوفير الطعام والملبس والمسكن. وفي هذه المدينة الفاضلة/الواقع المرير، سيكون للأغلبية الساحقة من البشرية الحرية في اختيار ما ستفعله: إما حياكة القبعات، أو الرسم بالألوان المائية، أو، ربما، تعلم مهارة جديدة لتنفيذ واحدة من المهام القليلة المتبقية التي يحتاج إليها البشر – أو حتى ابتكار أعمال جديدة.

ولكن هناك بعض العقبات أمام تحقيق هذا التصور، وتم تسليط الضوء على إحدى تلك العقبات الشهر الماضي في تقرير حول تجربة فنلندية مدتها عامان حول “الدخل الأساسي الشامل”. وبين يناير 2017 وديسمبر 2018، تلقى “2000” مواطن فنلندي بلا عمل دخلًا أساسيًا غير مشروط قدره “634” دولار أمريكي لتغطية احتياجاتهم الأساسية وإعفائهم من البحث عن عمل أو تدريب أو تقديم أفكار إلهامية وإبداعية. ولا غرابة في أن يحب الجميع جني الأموال دون عناء. بيد أنهم لم يكونوا على الأرجح من الباحثين عن عمل – أو اختراع شيء مفيد للبشرية جمعاء – ولكنهم مجرد أشخاص لم يكونوا جزءًا من التجربة.

وهذه ليست نهاية “الدخل الأساسي الشامل”. فهناك الآن تغييرات على التجربة الفنلندية، وقد تُثبت واحدة من تلك التغيرات أن هذا النظام، أو مثله، قابل للتطبيق حتى الآن.

ولكن إذا أثبتت أن “الدخل الأساسي الشامل” ليس حلاً للبطالة الوشيكة على مستوى العالم، وحينئذ، كيف يكون الحال على كوكب الأرض؟

وكما هو الحال مع تغير المناخ، فمن الواضح أن هناك حاجة إلى التفكير الجزري – ذلك التفكير الذي قد يتطلب التخلي عن القواعد الراسخة، مثل مفاهيم العرق والدولة والتي تثير الشقاق وتعزز المصلحة الشخصية البحتة. وكما هو الحال مع تغير المناخ، من المرجح أن يتم النظر في مثل هذه التغييرات بعد فوات الأوان على تحقيقها.

وفي ظل الوضع الراهن، لا خيار أمام الأمم سوى الاستمرار في التنافس، وقلما تجد دولة في العالم المتقدم لا تسعى في الوقت الحالي إلى ترسيخ مكانتها كدولة عالمية رائدة في مجال التقنيات الجديدة. وفي المملكة المتحدة ، أسست الحكومة مجلس الذكاء الاصطناعي، وتعهدت بتقديم 1 مليار جنيه إسترليني لتطوير قاعدة المهارات الفنية.

وفي الأول من شباط/فبراير، أطلق عمر العلماء، وزير دولة الإمارات العربية المتحدة لذكاء الاصطناعي، والبالغ من العمر 29 عاماً، مبادرة “فكر بالذكاء الاصطناعي”، داعياً الشركات إلى استخدام بلاده “كمنصة اختبار” لمساعدة الدولة وشعبها، والاستفادة من الدعاية التي صاحبت مبادرة الذكاء الاصطناعي.

ولكن قبل أن تتحول الإمارات العربية المتحدة أو أي دولة أخرى إلى ساحة تجريبية لمن يحلمون بإنشاء وادي السليكون، يجب أولاً وضع خطة للتعامل مع العواقب المحتملة، بما في ذلك انتشار البطالة.

وفي العام الماضي، قدمت “وحدة التبصر العلمي” التابعة للاتحاد الأوروبي تقييماً يدعو للاطمئنان حول تأثير الثورة الرقمية على الوظائف. وخلص الباحثون إلى أنه “عند دراسة المعلومات الواردة في التقييم، فهناك تفاؤل بشأن المستقبل”. وفي الماضي، كان الابتكار التكنولوجي يقود دومًا إلى توفير وظائف، وخلق فرص عمل مساوية للفرص التي كانت سببًا في ضياعها أو أكثر منها.

غير أن أسلوب الإنتاج المستمر بعد اكتشاف طاقة البخار والطاقة الكهربية لا يمكن مقارنته مع الثورة غير المسبوقة التي تهددها الثورة الصناعية الرابعة. كما أن انتظار أن يؤدي هذا الأسلوب إلى  توفير وظائف جديدة، بطريقة أو بأخرى، هو تفكير حالم وخطير.

فليست جميع الوظائف على المحك. فبينما قد تكون الثورة الصناعية الأولى حولت العالم مؤقتًا إلى الأفضل، وحققت طفرة في المورد البشري، فيمكن عزو الانتشار الذي حققته هذه الثورة إلى جميع المشاكل التي نواجهها الآن كجنس بشري، بدءًا من التهديد الوجودي بفعل التغير المناخي وصولاً إلى التداعيات المضرة بالمجتمع بفعل الثورة الصناعية الرابعة.

وهناك قدر ضئيل من الفرص لاستعادة السيطرة على السيارة التي تسير بسرعة بدون قائد وتدفعنا نحو حافة من العواقب غير المدروسة. ولهذا، يجب علينا، على أقل تقدير، استخدام المكابح حتى نتوصل إلى كيفية النجاة من هذا التأثير.