كيف يُبين الخلاف مع الإسلام في الهند مكانة نيودلهي في النظام العالمي الناشئ

دنيانيش كامات

Image courtesy of Himanshu Sharma / AFP

لايزال الدبلوماسيون الهنود يحاولون اصلاح الأضرار وبنجاح محدود، بعد مرور شهر على التصريحات المسيئة التي اطلقتها “نوبور شارما” وهي المتحدثة السابقة باسم حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند، والتي أساءت للمسلمين في جميع أنحاء العالم بتعليقات مهينة عن النبي محمد.

وبعد أن أدانت تصريحات “شارما 18 دولة إسلامية، إلى جانب منظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي، رفض حزب بهاراتيا جاناتا تعليقاتها ووصفها بأنها “عنصر هامشي”، وفشل في توضيح كيف يمكن أن تمثل المتحدثة الرسمية للحزب الحاكم رأي الأقلية.

وبالنظر إلى دفاع الحكومة الهندية، فهناك أسئلة معينة تحتاج إلى شيء من الاستقصاء، على سبيل المثال: لماذا برزت تلك الاحتجاجات الدبلوماسية الآن، بدلاً من بروزها أثناء الحوادث السابقة “للإسلام فوبيا” في الهند؟ وكيف ستكون ردة فعل “حزب بهاراتيا جاناتا” على خطاب الكراهية في المستقبل؟

وقد تخبر الإجابات على تلك الأسئلة الكثير عن مستقبل الديمقراطية في الهند ومكانة المسلمين الهنود فيها بقدر ما تبين مكانة الهند في النظام العالمي الناشئ.

ومن المرجح، على المدى القريب، أن يتحدث حزب بهاراتيا جاناتا بصوت أكثر تصالحية وتسامحًا، وهذه ليست خطوة صغيرة، ففي السنوات الأخيرة، شجع سياسيو حزب بهاراتيا جاناتا واعوانهم النبرة القومية الهندوسية من خلال امتناعهم عن إدانة الهجمات على المسلمين بل وشجعوا على شنها. لقد طال انتظار التخلص من الخطاب المعادي للإسلام، على الرغم من أن قضية ترجمة ذلك إلى سياسات أكثر تسامحًا هي قضية مختلفة تمامًا.

وأحد الأسباب الرئيسية التي تجعل حزب “بهاراتيا جاناتا” يتعامل بكل حصافة مع هذا الأمر هو مدى خطورة وجدية الموقف، فاعتبارًا من شهر مارس 2022، بلغت تجارة الهند مع دول مجلس التعاون الخليجي 150 مليار دولار، ووصلت واردات الهند منها 111 مليار دولار، فضلا عن أن دول مجلس التعاون الخليجي تضم أكثر من 8 ملايين عامل هندي، والذين يرسلون ما يقدر بنحو 26 مليار دولار في شكل تحويلات مالية سنوية إلى الهند.

كما سعت الهند إلى إقامة علاقات استراتيجية أوثق مع دول في الشرق الأوسط، من الاتفاقيات التجارية والصفقات الاستثمارية إلى التدريبات العسكرية المشتركة، وتعد الهند، إلى جانب الصين، واحدة من الدول القليلة التي تمكنت من الحفاظ على علاقات سياسية واقتصادية قوية مع جميع أعضاء مجلس التعاون الخليجي.

وعادةً ما تلتزم الدول الإسلامية الصمت بشأن الشؤون الداخلية في الهند، وقد اتبعت الحكومة التي يقودها حزب “بهاراتيا جاناتا” منذ وصولها إلى السلطة في عام 2014، سلسلة من السياسات الضارة بحقوق المسلمين الهنود، مثل التغييرات في قوانين المواطنة، وتآكل الحريات الشخصية للمسلمين، ومحاولة تجريم زواج ما بين الاديان، ومع ذلك، فإن تلك الإهانات الموجهة لمسلمي الهند البالغ عددهم 204 ملايين لم تثير احتجاجات كبيرة في العالم الإسلامي.

ولكن ما يجعل هذه اللحظة مختلفة هو أن إهانات المتحدث باسم حزب بهاراتيا جاناتا كانت موجهة إلى الدين بأكمله وأولئك الذين يمارسونه داخل وخارج البلاد.

وبناء عليه سيحتاج حزب “بهاراتيا جاناتا” إلى تقرير ما إذا كان سيقلل من حدة المشاعر القومية الهندوسية أو السير في اتجاه معاكس، من خلال توظيف هذه اللحظة لإثارة فكرة أن المسلمين الهنود يحملون ولاءات عابرة للحدود، كما يتضح من تشكيلة الدول الإسلامية التي عبرت عن غضبها، وسيمثل اختيار النهج الأخير تآكلًا إضافيًا لدستور الهند الذي يبشر، على الورق على الأقل،  بحقوق متساوية لجميع مواطنيها.

وفي نهاية المطاف، ستنتهي الأزمة الدبلوماسية، حيث إن انتقاد الهند لا يحمل نفس الأهمية داخل الدول الإسلامية مثل التشكيك في التسامح الديني في أوروبا أو الولايات المتحدة، فالهند، مثلها مثل الصين، لا تزال تُعتبر جزءًا من الجنوب العالمي المناهض للاستعمار، وتتمتع بتاريخ غني بالثقافة الهندية الإسلامية، والتي تعتبرها الدول الإسلامية امتدادًا لثقافتها، وكل هذا سيضمن أنه باستثناء أي ثورات جديدة، ستستمر الدول التي تحتج على سخرية “شارما” في تجاهل ما يحدث داخل الهند.

وقد يمدد قادة دول مجلس التعاون الخليجي قمعهم على الاحتجاجات المناهضة للهند بقيادة المغتربين الهنود في بلدانهم، كما فعلت الكويت الأسبوع الماضي.

وحتى الأنظمة الأيديولوجية مثل تلك الموجودة في طهران أُجبرت على التراجع عن التصريحات الأخيرة، بينما اعترضت حكومة بنغلاديش. ويعد توقيع إيران على اتفاقية تعاون استراتيجي مدتها 25 عامًا مع الصين، على الرغم من معاملة بكين للأويغور، مثالًا صارخًا على مدى استعداد عدد قليل جدًا من الدول للسماح للحريات الإنسانية والدينية بالتسبب في انهيار خطير في العلاقات الدبلوماسية.

والحقيقة المؤسفة هي أنه عندما تتخطى الهند وأصدقاؤها في العالم الإسلامي هذه الأزمة، وهم سيتخطونها بلا شك، فإن النتيجة ستكون ترتيبًا لا يختلف عن الترتيب الذي تفضله موسكو وبكين، فلطالما دافعت الصين وروسيا عن عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول بعكس اعتناق الغرب للحريات الفردية، وستكون هذه النتيجة هي العلامة الحقيقية للاتجاه الذي يتطور فيه النظام العالمي.

لقد كانت الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية اعتباطية في الدفاع عن القيم الديمقراطية الليبرالية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. وتعد الهند قوة تحوط في عالم يشهد تغيرات جيوسياسية كبيرة، وفي حين أن الأزمة الدبلوماسية بين الهند والعالم الإسلامي سوف تمر، فإن آثارها ستكون بسيطة وهادئة، لكنها ستكون تغيرات مهمة في النظام العالمي، حيث تجتمع الدول العرقية القومية على رؤية أقل ليبرالية لحقوق الإنسان العالمية.

 

 

دانيش كامات هو محلل سياسي يركز على الشرق الأوسط وجنوب آسيا، كما أنه مستشار في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للهيئات الحكومية والقطاع الخاص.