أكثر ما يخشاه الصهاينة الليبراليون في إسرائيل

جوزيف دانا

لم يعد هناك من مفر أمام الصهاينة الليبراليين، فدعاة الصهيونية الليبرالية والمدافعون عنها باتوا شبه مقتنعين بأن حل الدولتين الذي جاءت به اتفاقيات أوسلو للسلام لم يعد ممكناً، بل وقد تم وأده. ففي مقال بيومية “هآرتس” الليبرالية الأسبوع الماضي، قال الكاتب الإسرائيلي الشهير إبراهيم جبريل يشوع، المعروف بكونه مناصراً كبيراً لحل الدولتين: “إن حل الدولتين قد أصبح غطاءً خادعاً لانزلاق متواصل في مستنقع الاحتلال الموحل والأبارتايد القانوني والاجتماعي”.

ولا يرى الصهاينة الليبراليون أي تضارب بين كون إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية في آن واحد. فبناء على تعريفهم الفضفاض لأيديولوجيتهم، يمكن لليبرالية والقبلية التعايش بسلام. وعلى مدى عقود، كان المشكل الرئيسي يكمن في الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والتحول البطيء نحو القومية اليمينية. لكن بالرغم من استنكار الصهاينة الليبراليين من أمثال يشوع لوضع السياسات الإسرائيلية، فإنهم لم يهاجموها بشكل صريح وعنيف. فعلى سبيل المثال، لم يشعل أنصار معسكر السلام أي موجة اعتراض ملموسة في إسرائيل منذ عدة عقود.

ومن خلال حديثي مع الإسرائيليين في جيوب الليبرالية بالبلاد مثل تل أبيب، أثارت اهتمامي آراؤهم بشأن الخدمة العسكرية. فإذا كانت أيديولوجية المستوطنين المتطرفين بغيضة لهذا الحد، ما الذي يدفع الشخص إلى ارتداء الزي العسكري والدفاع عن هؤلاء المستوطنين؟ لم أتمكن من الحصول على إجابة واضحة، لكنني كنت كلما فرغت من هذه المحادثات أفكر أن المستوطنين هم أكثر صدقاً بشأن أفكارهم من نظرائهم الليبراليين.

إن حل الدولتين قد مات، وهذا راجع بالأساس إلى توغل مشروع إسرائيل الاستيطاني في الضفة الغربية. وقد سمح الجنود الشباب المنحدرون من عائلات صهيونية ليبرالية بتل أبيب في تجذر هذا الواقع، والآن هم يشعرون بالفزع من ثمار ما زرعت أيديهم. وبالتالي، يسهل فهم السبب وراء رفض الصهيونية الليبرالية للاحتجاجات السلمية الفلسطينية ضد الحكم الإسرائيلي.

وعلى سبيل المثال، اعتاد كاتب المقالات في صحيفة “نيويورك تايمز”، توماس فريدمان، أن يكتب عن حاجة الفلسطينيين لشخصية من أمثال مانديلا أو غاندي بإمكانها أن تطلق موجة من المقاومة السلمية للاحتلال الإسرائيلي. لكن على مدى بضعة أسابيع من الاحتجاجات السلمية في معظمها على الحدود بين إسرائيل وغزة، والتي قتلت خلالها إسرائيل 44 متظاهراً غير مسلح وأصابت ما يزيد عن 950 شخصاً، التزم فريدمان وكثير من الكتاب الصهاينة الليبراليين الصمت إزاء ما يحدث.

وفي سنة 2012، حين بدا وكأن رياح الربيع العربي ستعصف بإسرائيل وفلسطين، ألف بيتر بينارت كتاباً بعنوان “أزمة الصهيونية”. وقد ميز بينارت في الكتاب ين ما اعتبره “دولة إسرائيلية ديمقراطية” و”دولة إسرائيلية غير ديمقراطية”، حيث خلق الكاتب الأمريكي الشهير ازدواجية مغلوطة حيث يعيش الإسرائيليون في دولة ديمقراطية (ضمن حدود سنة 1948) لكنهم يديرون دولة غير ديمقراطية في الضفة الغربية. ويمثل هذا النوع من التفكير الخيالي آخر المحاولات اليائسة من جانب الكتاب الصهاينة الليبراليين للتخفيف من مرارة الواقع الذي تعيشه المنطقة الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن.

إن الطبيعة الحقيقية للنظام الإسرائيلي يجب أن تظل غامضة مهما كان الثمن لأنها تعارض بشكل مباشر الحجج السامية التي تتبناها الصهيونية الليبرالية، خاصة تلك القائلة إن إسرائيل في جوهرها ديمقراطية ليبرالية حيث تحظى سيادة القانون بالحماية والاحترام. بينما في الواقع، ينقسم النظام القانوني الذي تشرف عليه الحكومة الإسرائيلية إلى ثلاثة أقسام. ففي المقام الأعلى، يأتي المقيمون اليهود الذين يتمتعون بكامل حقوقهم المدنية والإنسانية بما يتوافق مع المعايير الديمقراطية الغربية، أما الدرجة التالية، فتتضمن الفلسطينيين الذين يملكون جنسية إسرائيلية أو حق الإقامة، وهم يعانون من التمييز المؤسساتي. وفي أسفل السلم، نجد فلسطينيي الضفة الغربية وغزة الذين لا يتمتعون بأي حقوق سواء مدنية أو إنسانية، بل إن الفلسطينيين في الضفة الغربية خاضعون لحكومة عسكرية. فأزمة الصهيونية تكمن إذن في عدم القدرة على الاعتراف بهذه الوضعية وتحمل مسؤوليتها.

وقد منح الجدال القائم حول حل الدولتين و”اتفاقية أوسلو” للصهاينة الليبراليين فرصة لذر الرماد في العيون؛ فبدل مناقشة الطبيعة الحقيقية للحكومة الإسرائيلية، ركز الجدال على ما إذا كان الفلسطينيون مستعدين لدولة فلسطينية مستقلة، أو ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية قادرة على إيقاف بناء المستوطنات. وبينما تعتبر هذه الأسئلة مهمة، فإنها لا تناقش المشاكل الجوهرية التي يدور حولها الصراع، ألا وهي الحقوق.

إن السبب في كون حركة “المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات” التي أطلقها الفلسطينيون تثير هلع إسرائيل هو أنها تضع مشكل الحقوق في الواجهة. فبدلاً من التركيز على الفرضيات المتعلقة بحصول الفلسطينيين دولة خاصة بهم عد العيش تحت مظلة الاحتلال، فإن حركة “المقاطعة وسحب والاستثمارات وفرض العقوبات” توضح حقيقة حكومة إسرائيل المقسمة عرقياً وتفضح التصور الخاطئ بأن إسرائيل دولة ديمقراطية. هذا لا يعني أن الحركة تخلو من أي عيوب، لكن تشكيلها الأيديولوجي يمثل خطراً واضحاً وحقيقياً على النموذج الصهيوني الليبرالي.

ومع انهيار حل الدولتين، يصارع المفكرون الصهاينة الليبراليون مثل بينارت ويشوع لإيجاد موطئ قدم أيديولوجي، في الوقت الذي يتبنى فيه الفلسطينيون عدم العنف كأسلوب تكتيكي، بينما يخيم جدل أكبر حول الصهيونية وقدرتها على التعايش مع الديمقراطية في الأفق. لكن أمراً واحداً يتجلى بوضوح، وهو أن الصهيونية الليبرالية في مفترق طرق وهي تبحث عن أساس أيديولوجي جديد.

AFP PHOTO/GALI TIBBON