عندما يُنهب الماضي، يدفع الجميع الثمن

جوناثان جرونال

Image courtesy of Asaad Niazi / AFP

تم العثور على أسطورة ” الخلق البابلية” في نقش على سبعة ألواح طينية من القرن السابع قبل الميلاد وتم التنقيب عنها في نينوى في القرن التاسع عشر، وقد سميت مدينة “إريدو” الواقعة في جنوب بلاد ما بين النهرين باسم أول مدينة في العالم.

ويوجد اليوم بعض الأشياء الثمينة التي يمكن رؤيتها في الموقع القديم على الرغم من مرور 8000 عاما، وهو الموقع المعزول على أطراف صحراء العراق الجنوبية على بعد 35 كيلومترًا جنوب غرب الناصرية.

ولكن ما تبقى من آثار هو قيم للغاية، بما في ذلك حفنة من الحجارة وقطع الفخار، والتي أخذها من الموقع سائح بريطاني حكم عليه بالسجن لارتكابه تلك الجريمة هذا الشهر من قبل محكمة في بغداد.

وكما كان متوقعًا، ثارت ضجة في وسائل الإعلام البريطانية عندما حكم على الجيولوجي المتقاعد “جيم فيتون” والبالغ من العمر 66 عامًا بالسجن لمدة 15 عامًا، وقد وقع إلى الآن أكثر من 347000 شخصا على عريضة عبر الإنترنت تطالب الحكومة البريطانية بالتدخل في قضيته.

ولا يمكن لتلك العريضة أن تغير من مسار الأحداث، ولا ينبغي لها ذلك، فالعراق دولة ذات سيادة ولها قوانينها الخاصة، وقد ادعى “فيتون” الجهل بقانون حماية الكنوز الأثرية في العراق، لكن الجهل لم يكن أبدًا دفاعًا قانونيًا في أي بلد في العالم.

وواجه “فيتون” عقوبة الإعدام، وهي عقوبة رادعة وقائمة على عقود من نهب كنوز العراق القديمة، لكن المحكمة أخذت في عين الاعتبار أن جريمته لم تكن فظيعة مثل النهب الفاضح على نطاق واسع لكنوز البلاد في أعقاب غزو الجيش الأمريكي في عام 2003.

وليس العراق هو البلد الوحيد في المنطقة الذي يملك تراثا وقع فريسة للحرب والاضطرابات الاجتماعية، ففي عام 2017، أنفق متحف متروبوليتان للفنون في مدينة نيويورك 4 ملايين دولار على تابوت ذهبي عمره 2000 عام من مصر، وبعد ذلك بعامين، تم إرغام المتحف على إعادة التابوت بعد أن تبين أنه نُهب خلال الثورة المصرية في عام 2011.

وباختصار، كان على فيتون أن يعرف التفاصيل بشكل أفضل، فقد كان جيولوجيًا مهنياً وعالم آثار هاوٍ، وكان في جولة في الآثار في العراق عندما قرر وضع تلك القطع الأثرية في جيبه، وهو عمل لم يكن من الممكن تصوره لو أنه كان يتجول في موقع قديم في أوروبا. إن موقفه غير الرسمي تجاه قدسية التراث العراقي القديم هو انعكاس للغطرسة الإمبراطورية التي شهدت الكثير من كنوز الشرق الأوسط وأماكن أخرى تنهب خلال القرن التاسع عشر من قبل “علماء الآثار السادة” الأثرياء من بريطانيا.

والخزائن وصناديق العرض في المتحف البريطاني في لندن، على سبيل المثال، مليئة بالقطع الأثرية التي تنتمي إلى الدول التي تم أخذها من قبل المغامرين أصحاب الميزات، ففي عام 2019، قدمت الحكومة البريطانية عرضًا رائعًا بإرجاع حجر مسماري يرجع تاريخه إلى 3000 عاما إلى بغداد، والذي قد كان نُهب مؤخرًا، وكان ذلك تحية لثقافة العراق وتاريخه الثريين، اللذين كانا “في صميم هويته الوطنية المعاصرة”.

ولكن من بين المقتنيات الأثرية للمتحف البريطاني الضخمة والمكونة من 170000 قطعة أثرية من بلاد ما بين النهرين، والتي تم إخراجها من تحت الأرض وشحنها من قبل علماء الآثار البريطانيين المرخص لهم فقط بالامتياز الإمبراطوري، والتي لم يٌرد لها أي ذكر، فتلك المقتنيات قد تم “الحصول” عليها، ويحرص المتحف دائمًا على استخدام مصطلح “حصول” وهو مصطلح أقل ازدراءًا من كلمة “نهب”.

ولم يتبق سوى آثار حضارة عظيمة اندثرت في مدينة “إريدو”، لقد ذهبت حضارة بلاد النهرين ونضب نهر الفرات الواهب للحياة والذي كانت تتدفق مياهه حول التلال السبعة التي شكلت قلب المدينة، وكان على أكبرها يقف أقدم معبد في جنوب بلاد ما بين النهرين.

ولكن بينما اختفت القصور والمعابد، فإن القرائن موجودة إذا كان المرء يعرف كيف وأين يمكن للعثور عليها.

وكل ما تبقى من مدينة “الزقورة” التاريخية المجيدة، والتي بنيت قبل 4000 عاما من الطين والطوب المحمص، هو عدد قليل من الحجارة المختلطة، والتي من الواضح أنها شُكلت بأيدي بشرية، وجزء مما يبدو أنه جدار قديم، وهو في طريقه للانزلاق ببطء تحت الرمال.

ومنخفض أرضي، وهو ما تبقى من قصر فخم تم بناؤه قبل 5000 عاما.

وفي كثير من الأحيان، تكون قطع الفخار الموجودة في مثل هذه المواقع هي التي تقدم القرائن الوحيدة على أصولها وجدولها الزمني.

وقد تم اكتشاف الكثير من مدينة “إريدو” التاريخية ورسم خرائط لها في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي من قبل اثنين من أبرز علماء الآثار في العراق، وهم فؤاد صفر وسيد محمد علي مصطفى، وكانا قادران على مقارنة القطع التي تم العثور عليها في مدينة “إريدو” مع تلك الموجودة في مواقع بلاد ما بين النهرين الأخرى، مما ساعد على إنشاء روابط تجارية وفهم دقيق للتسلسل الزمني لتطور الحضارة.

وكانت تلك الآثار بمثابة طوابع زمنية في مدينة “إريدو” حيث ساعدت علماء الآثار على تحديد وجود العديد من المعابد، التي تم بناؤها فوق بعضها البعض على مدى مئات السنين، ومن الواضح أن جمع مثل تلك الأدلة ووضعها في الجيوب هو أمر خاطئ سواء كان ذلك قانونياً أو غير قانوني.

وربما يكون من الظلم أن يدفع “جيم فيتون” الثمن كوكيل لسارقي الإمبراطورية الذين سبقوه، والعصابات الإجرامية التي تبعت في الآونة الأخيرة، وسيقدم طلب استئناف، وفي تلك الحالة نتمنى له كل التوفيق، و كما أشارت عائلته، من شبه المؤكد أن 15 عامًا في السجن تعني السجن مدى الحياة.

لكن الدرس المستفاد من هذه القضية هو الدرس الذي يجب أن يأخذ في عين الاعتبار من قبل كل مدير متحف في جميع أنحاء العالم، والمستمرين في تخزين الكنوز المسروقة من دون مبرر في وقت كان فيه سكان الشرق الأوسط هم بشر لا اعتبار لهم، بالنسبة لمعظم الأوروبيين.

فقصة البشرية هي ملكنا جميعًا، لكن القطع الأثرية والبقايا التي تروي تلك القصة تنتمي فقط إلى المكان الذي تم إنشاؤها فيه، إن أخذها بناء على المصلحة الذاتية لا يعني فقط سلب تراث بلد ما، ولكن أيضًا حرمان الجميع من الفصول الحيوية المحتملة في القصة العظيمة والمشتركة للبشرية.

 

جوناثان جورنال هو صحفي بريطاني، كان يعمل سابقًا مع التايمز، وقد عاش وعمل في الشرق الأوسط وهو الآن مقيم في المملكة المتحدة.