عندما تعقد تركيا اتفاقيات مع روسيا على الأراضي السورية، تتحول تلك الاتفاقيات إلى نذير شؤم على الأكراد

نيكولا ميكوفيتش

يرتكز مصير الأكراد السوريين على الصفقات الربحية بين روسيا وتركيا، ويُعرف كلا البلدان مع الولايات المتحدة، برصد مصالحهما السياسية في سوريا على حساب الأكراد. فكيف ستؤثر الترتيبات الأخيرة التي جرت من وراء الكواليس على أكبر أقلية عرقية في سوريا؟

وبصفتهم لاعب صغير على ساحة الأحداث الكبيرة في السورية، يحاول الأكراد الحفاظ على علاقات جيدة مع كل من واشنطن وموسكو، وهم على علم أن الولايات المتحدة قوة عالمية كبرى، وأن لروسيا نفوذًا قويًا للغاية على دمشق، ولكن، تكمن المشكلة في أن الولايات المتحدة أظهرت مرارًا وتكرارًا أنها غير مستعدة للسماح بتدهور علاقاتها مع تركيا، وهي حليفها في الناتو، بسبب الأكراد، لهذا السبب يتعين على الأكراد اللجوء إلى روسيا وعميلها بشار الأسد للحصول على حماية حقيقية.

منذ لقاء الرئيس فلاديمير بوتين بنظيره التركي رجب طيب أردوغان في منتجع سوتشي الروسي على البحر الأسود في 29 سبتمبر الماضي، وتركيا تحضر لعمل عسكري في شمال سوريا، وتشير التقارير إلى أن أنقرة تخطط لتنفيذ عملية جديدة ضد الأكراد السوريين والاستيلاء على مدينة تل رفعت، وكذلك مدينة كوباني وهي بلدة تعرف باسم ستالينجراد الكردية. وتخضع كوباني لسيطرة وحدات حماية الشعب التي يهيمن عليها الأكراد منذ عام 2012، وقد دخلت القوات السورية والروسية المدينة الحدودية في عام 2019 من خلال توغل تركي سابق. وخلال الأسابيع القليلة الماضية، تفاوض المسؤولون الأتراك والروس حول أتفاق للتعامل مع مخاوف أنقرة بشأن “وحدات حماية الشعب” وهي منظمة تعتبرها تركيا جماعة إرهابية بسبب صلاتها بحزب العمال الكردستاني المحظور. وأفادت الأنباء أن أنقرة تفكر في ترك بعض الأجزاء الصغيرة من إدلب، وهي الأراضي السورية المتبقية التي يسيطر عليها المتمردون، للقوات الروسية مقابل دعمها لعملية في شمال سوريا.

وفي الوقت نفسه، تجري قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والجيش الروسي محادثات لسحب الوحدات الكردية من المناطق المتاخمة للحدود التركية لتجنب مواجهة عسكرية مع تركيا. وبحسب التقارير، يحاول الروس إقناع قوات سوريا الديمقراطية بسحب مقاتليها من شمال سوريا لمنع عملية عسكرية تركية أخرى من شأنها أن تكون لها عواقب وخيمة على الأكراد. والأمل هو أن تنتقل قوات سوريا الديمقراطية إلى الجنوب من الطريق الدولي M4، الذي يبعد 32 كيلومترًا عن الحدود التركية.

ومن منظور عسكري بحت، يبدو أن الأتراك مستعدون لشن هجوم ضد وحدات حماية الشعب الكردية، وإلى جانب مدينة تل رفعت وكوباني، من المحتمل أن تشمل المناطق المستهدفة الأخرى منبج، غرب الفرات، وعين عيسى وتل تمر، شرق النهر. وقد تم وضع الوحدات العسكرية للوكلاء الأتراك في إدلب على مستوى عالي من الجاهزية القتالية. ويتوقف بدء توغل آخر في سوريا على إجراء صفقة سياسية بين تركيا وروسيا، ومن غير المرجح أن يكون لدى صانعي السياسة في أنقرة أي مخاوف من أن الأكراد قد يكونوا قادرين على مقاومة الجيش التركي، وفي الواقع، نظرًا لتدهور الأوضاع الاقتصادية في تركيا، فإن انتصار عسكري صغير في سوريا ضد الأكراد ستكون أكثر من مفيدة لأردوغان. ولكن، ليس من المحتمل أن تبدأ تركيا هجومًا حتى تعقد اتفاق نهائي مع روسيا، وتحصل على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة.

وقد التقى أردوغان والرئيس جو بايدن في روما في قمة مجموعة العشرين في 30 أكتوبر/ تشرين الأول، وأكد الزعيم التركي عدم ارتياحه لدعم الولايات المتحدة لمقاتلي وحدات حماية الشعب في سوريا، وفي الجانب الآخر، يتهم بعض الأكراد السوريين الولايات المتحدة وروسيا بالتقاعس أمام هجوم تركي محتمل، والموقف الروسي واضح، فإذا لم ينسحب الأكراد من أماكن معينة في شمال سوريا، ويسمحوا للقوات الروسية والجيش السوري بفرض سيطرة كاملة على المنطقة، فإن الكرملين سوف يغض الطرف عن الإجراءات التركية. ومن المحتمل أن تعقد روسيا أولاً اتفاق مع أنقرة تتضمن “تبادل للأراضي” ويشمل ذلك التبادل، الأراضي التي يسيطر عليها الأكراد مقابل جزء من إدلب.

وبحسب ما أوردته بعض المصادر الروسية وبعض المصادر الموالية للأسد، فإن الجيش السوري يستعد لشن هجوم على أجزاء من إدلب الواقعة تحت سيطرة القوات المدعومة من تركيا، ويبدو أن هذا الهجوم يمكن أن يتم حتى لو لم تتوصل موسكو وأنقرة إلى حل وسط بشأن الأراضي التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب.  وهناك أيضًا تقارير تفيد بأن روسيا زادت عدد الطائرات العاملة في شمال سوريا، وهو ما يمكن تفسيره على أنه رسالة لشركائها الأتراك مفادها: لا تبدأوا حملة عسكرية حتى نصل إلى الاتفاق النهائي الذي يتضمن مصير الطريق السريع M4، وبالنسبة لكل من موسكو وأنقرة، فإن الطريق السريع M4 له أهمية استراتيجية، ولهذا السبب من المتوقع أن يكون الطريق السريع في نهاية المطاف تحت السيطرة التركية الروسية المشتركة، في هذه المرحلة، لا يزال M4 مغلقًا، ولم يتم إنشاء ممرات أمنية بعرض ست كيلومترات في شمال وجنوب الطريق.

ومن المحتمل أن تناقش روسيا وتركيا هذه المسألة قريباً، على الأرجح في كانون الأول (ديسمبر) في عاصمة كازاخستان نور سلطان، في غضون ذلك، سنرى إذا كانت أنقرة ستحصل على الموافقة للقيام بعمل عسكري محدود في المنطقة. وهناك شيء واحد مؤكد – بغض النظر عن الوضع في سوريا، ستستمر موسكو وأنقرة في عقد الصفقات والاتفاقيات كالمعتاد، وستسود شراكتهما الخاضعة للظروف على الخلافات المتعلقة بموقف الأكراد السوريين، وهم الحلقة الأضعف في المغامرة الروسية التركية السورية.

 

نيكولا ميكوفيتش محلل سياسي في صربيا، يركز عمله في الغالب على السياسات الخارجية لروسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا ، مع اهتمام خاص بالطاقة و “سياسات خطوط الأنابيب”.