القارة الأفريقية وضرورة بناء صناعتها الدوائية

مايكل جينينغز

AFP Photo: Phill Magakoe

مع نهاية شهر مارس/آذار، يكون العالم قد حصل على ستمائة مليون جرعة من لقاح فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19”. ومع ذلك، لم تحصل منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى سوى على ثمانية “8” ملايين جرعة فقط رغم أن تعداد سكانها يبلغ “1,3” مليار نسمة. وعلى النقيض من ذلك، تلقى “35” مليون نسمة في المملكة المتحدة (حيث عدد السكان 67 مليون نسمة) اللقاح في نفس الفترة. إن بطئ وتيرة التطعيم في العالم النامي، وبالأخص في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وسط تأميم اللقاحات في البلدان المتقدمة، يثير التساؤلات حول الطريقة التي تستطيع بها الدول الأفريقية تقليل اعتمادها على المانحين من أجل أمنها الصحي. ومن السبل المتاحة لذلك هو إنشاء قطاع لصناعة الأدوية في أفريقيا، ويكون قادرًا على تصنيع الأدوية واللقاحات الأساسية، ومن شأن هذا تحفيز التنمية الاقتصادية الشاملة في أفريقيا.

وفي البداية، ما مدى خطورة الوضع الحالي؟ تستطيع أفريقيا في أفضل الأحوال الحصول على “720” مليون جرعة من اللقاح عن طريق مرفق “كوفاكس” التابع لمنظمة الصحة العالمية للوصول بنسبة التطعيم إلى “60%” بحلول منتصف عام 2022. ولذلك، لن تصل أفريقيا إلى “مناعة القطيع” ولو بعد عامٍ من الآن. ولا تُنتج أفريقيا في الوقت الحالي لقاح فيروس كورونا “كوفيد-19″، ولا تستطيع معظم دول المنطقة تحمل تكلفته عن الدول النامية. بل أن العديد من الدول المتقدمة خصصت لأنفسها جرعات تفوق عدد سكانها. وتستطيع كندا تلقيح شعبها خمس مرات بعدد الجرعات التي حصلت عليها. علاوة على ذلك، هل ستدخل أفريقيا في منافسة جديدة مع الغرب مع احتمال ظهور لقاحات الجيل الثاني في هذا الوقت من العام المقبل؟

لاتزال أفريقيا حتى الآن قادرة على تحديد مصيرها. وهناك شركات أدوية فيما يقرب من 40 دولة أفريقية. والمشكلة هي أن معظم تلك الشركات تقوم بعمل في غاية الأهمية. فالغالبية منها يقتصر عملها على تعبئة الأدوية المصنعة بالفعل، أو شراء المكونات الدوائية الفعالة وخلطها بالأدوية. ولا يوجد من يصنع المكونات الدوائية سوى ثلاث شركات فقط، اثنتان في جنوب إفريقيا وواحدة في غانا. ولا يوجد شركات للأبحاث والتطوير.

لقد أظهرت جائحة كورونا مدى أهمية التفكير الشامل، واتخاذ إجراءات (سريعة واستبقائية وصارمة) على المستوى المحلي. كما أثارت جائحة كورنا تساؤلات أخرى حول الفوائد المحتملة لتوطين إنتاج الأدوية، وتوسيع الإنتاج في أنحاء الجنوب العالمي (الدول النامية). ولنا في المؤسسة الهندية للأمصال “Serum Institute of India”، والتي تحمل ترخيصًا من شركة “أسترازينيكا” لإنتاج أكثر من 100 مليون جرعة من اللقاح شهريًا، مثالاً حول الدور الذي تلعبه الشراكات الوثيقة بين شركات الأدوية الموجودة في الشمال العالمي وتلك الموجودة في الجنوب العالمي في التعامل مع أزمة صحية عالمية. وفي ظل التقنيات الحديثة والتي تسمح بإنتاج الأدوية واللقاحات بسرعة أكبر، وكذلك وعودة الشراكات بين القطاعين العام والخاص في دفع عجلة الأبحاث والتطوير إلى الأمام، هناك سؤال حول إمكانية استنساخ نجاح معهد الأمصال الهندي في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

إن التوسع في قطاع الأدوية في أفريقيا من شأنه أن يوفر اللقاحات والأدوية الرئيسية ويؤمن مصدرها ويقلل الحاجة إلى الاعتماد على رضاء المانحين من البلدان المتقدمة. وقد يؤدي استخدام التقنيات الجديدة صغيرة الحجم والمحدودة، كالعلوم الحسابية على سبيل المثال، إلى تطوير عقاقير جديدة. كما أن استخدام التقنيات التي تسمح بإنتاج الأدوية على نطاق صغير يؤدي كذلك إلى خلق مراكز إنتاج محلية قادرة على التعامل بصورة أفضل مع تفشي الأوبئة محليًا (وفي ذلك دعمًا للأمن الصحي العالمي).

قد تكون المكاسب الاقتصادية المباشرة التي تحققت من استبدال الواردات صغيرة نسبيًا، لأسباب ليس أقلها سلاسل التوريد بالغة التعقيد للمكونات الدوائية الفعالة والتي من المحتمل أن يبقى الحصول عليها من مصادرها العالمية. سيظل عدد الأشخاص العاملين بشكل مباشر في قطاع يتوسع بشكل كبير صغيرًا نسبيًا.

ولكن التأثير الإضافي للاستثمار في هذا القطاع الذي يتطلب قدر كبير من المهارات قد يعظم المكاسب الاقتصادية، ويشجع على المزيد من الاستثمار في مجالات مثل الإنتاج الكيميائي وشبكات التوزيع وتصنيع المعدات وما إلى ذلك. وتشير الأبحاث حول تأثير إنتاج الناموسيات المعالجة بمبيدات الحشرات لمكافحة الملاريا، في تنزانيا، على سبيل المثال، إلى أن وجود مصنع محلي يحفز بشكل مباشر إنشاء نشاطًا جديدًا مدرًا للدخل داخل المنطقة.

وحسبما تبين من الجهود السابقة لتطوير قطاع الأدوية في أفريقيا، هناك عدد من القيود التي يجب التغلب عليها.

أولها، إن تصنيع الأدوية، وخاصة مجالي الأبحاث والتطوير، يتطلب رأس مال ضخم، وشراكات بين الحكومات والجهات المانحة وشركات الأدوية الخاصة والتي يلزم إقناعها بأنها لاتزال قادرة على جني الأرباح من ترخيص إنتاج الأدوية لشركاء الجنوب العالمي (الدول النامية).

هناك حاجة إلى إقناع المانحين في الدول التي توجد بها تلك الشركات بأهمية نقل الإنتاج خارج نطاقهم القضائي. ولكن ظهور أدوية جديدة تعتمد على الشراكات بين المؤسسات البحثية التي تمولها الحكومة والقطاع الخاص قد غير حسابات التكلفة، ومكّن الحكومات من التفاوض على تراخيص الإنتاج خارج الشمال العالمي (الدول المتقدمة). ولا يوجد سبب يمنع انتقال هذا الترخيص إلى إفريقيا.

والعائق الثاني، هو أن أي تطوير واسع النطاق لقطاع الأدوية الأفريقي سيكون مقصورًا تقريبًا على عدد من المحاور الإقليمية. ومن خصائص أي قطاع أدوية قوي أن يكون قادرًا على التعامل مع الأزمات الصحية المحلية أو الإقليمية أو العالمية، وقادرًا على توزيع الأدوية بسهولة وبتكلفة زهيدة عبر الحدود الداخلية. وهذا يسلط الضوء على أهمية التجارة الحرة. وهناك تقدم كبير في إزالة الحواجز الداخلية أمام التجارة، وهناك الكثير من الجهد يلزم بذله في هذا الشأن.

والعائق الأخير، هو ضرورة التعامل مع القيود التنظيمية، مثل أنظمة ترخيص الأدوية البطيئة وغير المتصلة، والحماية المفرطة لحقوق الملكية الفكرية. إن التعاون عن كثب مع منظمة الصحة العالمية، ودمج الأنظمة التنظيمية الخاصة بالمنتجات الصحية في الاتحاد الأفريقي، من شأنه أن يساعد في مجال التصنيع، وكذلك الأبحاث والتطوير. وهذا سيخرج بالمصنعين من مجرد الترخيص إلى الابتكار.

ومع خروج العالم ببطء من أسوأ مراحل هذه الأزمة الصحية العالمية، حان الوقت الآن للتفكير في إعادة تشكيل إنتاج الأدوية وتصنيعها بطرق تلبي الاحتياجات الصحية لأغلبية الدول النامية بشكل أفضل. قد يكون الاستثمار في قطاع الأدوية في أفريقيا جزءًا هامًا في إعادة التقويم هذه. وفي الواقع، إذا تمكنت دول شرق آسيا من تخطي عقبة التنمية بفضل مجال الإلكترونيات، فقد تفعل الأدوية نفس الشيء مع القارة الأفريقية.

 

مايكل جينينغز، هو محاضر في التنمية الدولية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، ومهتم بالقضايا المتعلقة بالصحة العالمية وسياسات التنمية العالمية وتاريخها.