دوافع أنقرة لبناء تركيا مُصغّرة في سوريا

حايد حايد

ترسخ أنقرة بقائها لفترة طويلة الأمد في المناطق السورية المتاخمة للحدود التركية، مدعية أنه لا مصلحة لها من دمج تلك المناطق مع حدودها القومية، وأن الهدف من ذلك هو إنشاء منطقة عازلة تشبه جمهورية تركيا من حيث الشكل، وفي المقابل، يكون سكان المنطقة مناصرين للسياسات الداخلية لأنقرة. وبينما يركز العالم على الحملات العسكرية التركية في سوريا، فإنه لم يقر بما هو أكثر أهمية وهو ذلك المشروع الحقيقي الذي جاء تكليلاً لتلك الحملات العسكرية والمتمثل في إبعاد الساسة الأكراد إلى داخل سوريا، حتى لا يقحم هؤلاء الساسة أنفسهم مرة أخرى في الشأن التركي.

في العام 2016 أطلقت القوات التركية المدعومة من فصائل الثورة السورية عملية درع الفرات في شمال سوريا ضد تنظيم داعش، وأيضًا لكبح جماح النفوذ المتصاعد للقوات الكردية السورية التابعة لوحدات حماية الشعب الكردية، والحقيقة أن أنقرة تنظر إلى “وحدات حماية الشعب” على أنها منظمة إرهابية لا تقل خطراً عن داعش. وبعد انقضاء عام، شنت تركيا هجومًا ثانيًا وأطلقت عليه “غصن الزيتون”، وحظى هذا الهجوم أيضًا بدعم من حلفاء أنقرة من فصائل الثورة السورية، وكان الهدف من هذا الهجوم هو طرد عناصر “وحدات حماية الشعب” الكردية من معاقلها في مدينة عفرين.

ساعدت التدخلات العسكرية تركيا على تأمين حدودها والاستيلاء على منطقتين في الداخل السوري. واستنادًا إلى تلك المكاسب، بدأت تركيا في إعادة إعمار المدن السورية الواقعة تحت سيطرتها، فأصلحت البنية التحتية ورممت المرافق الأساسية، ومازالت تستثمر في المشروعات التنموية. وقد تركّزت عمليات إعادة البناء في المناطق التي تم السيطرة عليها في العام 2016، وهي المنطقة المعروفة بوجه عام بـ”منطقة درع الفرات”.

ومن ضمن المشروعات التي شرعت فيها تركيا المشروع الأول والأساسي الخاص باستعادة النظام الصحي وتوسعته، لما يمثله هذا النظام من أهمية خاصة للمنطقة التي لا زالت تُعاني من آثار الحرب، وقد قامت أنقرة بإصلاح العيادات في كل من “جرابلس” و”دابق” و”عين العرب كوباني” ومناطق أخرى، وبعد ذلك، وفي تطور أدهش الكثيرين في الخارج؛ مولت وزارة الصحة التركية، التي تعُد أولاً وأخيراً مؤسسة مدنية معنية بخدمة الشعب التركي، بناء مستشفى في مدينة الباب السورية بقيمة 17 مليون دولار، وبعد اكتمال البناء، ستكون المستشفى مجهزة بمائتي “200” سرير مما يجعلها أكبر مستشفى في المنطقة.

وبالمثل، يجري افتتاح فرع لجامعة حرّان في مدينة الباب السورية بتمويل من الحكومة التركية. وعلى الرغم من أن الحرمين الجامعين الآخرين واللذان افتتحا بالفعل هما فرعان لجامعات خاصة، إلا أن أنقرة قد تحمّلت تكلفة البناء، فضلاً عن إعادة بناء عشرات المدارس المُدمرة.

وفي نفس السياق، تعكف رئاسة “إدارة الطوارئ والكوارث التركية” على بناء مدينة جديدة بالقرب من مدينة الباب، وتضم المدينة بعد الانتهاء منها مدارس ومحال تجارية وحوالى اثنا عشر ألف “12,000” منزل يتسع لثمانين ألف “80,000” شخص. وفي ذات الوقت، يتم بناء منطقة اقتصادية على مساحة 56 هكتار بالقرب من مدينة عين العرب كوباني، وسيكون لتلك المنطقة الاقتصادية محطة طاقة خاصة بها فضلاً عن محطات للمياه ومركز لمعالجة مياه الصرف، وستكون تلك المنطقة الاقتصادية أكبر منطقة صناعية في “منطقة درع الفرات”، حيث تضم المنطقة الطرق التي تربطها مباشرة بتركيا، وبعدها مباشرة، عكفت شركة الاتصالات “تورك سيل” على إنشاء شبكة محمول تغطي تلك المنطقة الشاسعة والتي تضم إدلب وريف حلب، وفي خطوة أخرى ربما أكثر أهمية، افتتحت إدارة البريد التركية فروع لها في عدة مدن لتسهيل المعاملات المالية بجانب تقديم الخدمات البريدية.

ولا غرابة في أن تثير تلك الاستثمارات جميعها التساؤلات بشأن الطموحات الإمبريالية لدى تركيا لإقامة إمبراطورية على غرار الإمبراطورية العثمانية. ومع ذلك، من المفيد أن نستذكر فقط أن تركيا قامت فعلياً بتشديد ضوابط الهجرة، حيث قامت أنقرة منذ العام 2015 بفرض شروط صارمة على عملية إعطاء تأشيرة الدخول للسوريين الذين يريدون توفيق أوضاعهم طبقاً لسياسة الحدود المفتوحة، كما أن تركيا تقوم ببناء جدار بارتفاع ثلاثة أمتار بطول الحدود التركية السورية والتي تبلُغ 900 كم. واستنادًا إلى الواقع، فإنه من ضمن الثلاثة ملايين لاجئ الذين تريد أنقرة إعادتهم إلى سوريا، هناك 300 ألف لاجئ تمت إعادة معظمهم بالفعل إلى المناطق التي قامت تركيا بإعادة إعمارها في الداخل السوري، لكن عملية إعادة اللاجئين لن تتوقف على برنامج إعادة الإعمار، وتركيا لم تقُم بإعادة بناء تلك المناطق من أجل عودة اللاجئين، ولهذا يبرز السؤال: ما الذي يدفع بتركيا لخوض تلك المغامرة باهظة الثمن؟.

والجواب المختصر لهذا السؤال هو رغبة تركيا في أن تكون المنطقة الحدودية تابعة لها ومرتبطة معها بعلاقات جيدة، فهي تحاول بناء صورة طبق الأصل من تركيا يقطنها السوريون، وهناك مؤسسات جديدة إدارية وعسكرية وأمنية تم تأسيسها وجميعها على الطراز التركي، وتمول أنقرة رواتب موظفي تلك المؤسسات، وتم إعداد تلك الرواتب بحيث تضمن تركيا ولاء السلطات المحلية بغض النظر عن ما يتولى مقاليد الأمور بعد نهاية الحرب. والأكيد أن علامات النفوذ التركي باتت في كل مكان، بما فيها الأعلام والشعارات التركية المنتشرة في الشوارع، فضلاً عن فصول تدريس اللغة التركية داخل المدارس، وتأمل تركيا في أن يؤدي تأسيس المنشآت المادية الحديثة والرخاء النسبي في تلك المناطق إلى تكوين عازل بين تركيا والمقاتلين الأكراد السوريين.

تواجه أنقرة مشكلة أخرى وهي أن الأمور لم تسير وفقًا لما هو مخطط له أو لم تتم على الأقل حتى الآن، إن كل ما تفعله تركيا بشكل صريح على الأراضي السورية لم يقرب الأتراك فعليًا من السوريين. والواقع أن بعض السوريين ينظرون إلى التواجُد التركي على أراضيهم على أنه تواجُداً ظالماً، بينما يأمل السوريون بكل تأكيد في أن التواجُد التركي الذي يلوح في الأفق ربما يعمل على حماية تلك المناطق من الوقوع مجدداً في قبضة النظام السوري.

ستظل تلك التجربة باهظة الثمن محل الرصد والتقييم للوقوف على مدى فعاليتها في المحافظة على الأمن التركي – مثلما تأمل أنقرة-، وكذلك فعاليتها في تأمين جزء بسيط من الأراضي السورية وهو ما يأمله السوريون القاطنون هناك ويسألون الله به.

حايد حايد هو زميل باحث في المركز الدولي لدراسة التطرف بجامعة كينجز كولدج بلندن، وهو أيضاً زميل باحث استشاري في برنامج معهد تشاتام هاوس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

AFP PHOTO/OZAN KOSE