اللغة العربية على أعتاب أن تكون لغة عالمية، لماذا؟

جوناثان جرونال

AFP photo/Fethi Belaid

أي لغة سيستخدمها الإنسان بعد بلوغه سطح كوكب المريخ الأحمر؟

الإنجليزية؟ أم الصينية؟، وماذا عن اللغة العربية؟

بفضل السياسة التوسعية التي انتهجتها أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهي الحقبة التي شهدت السيطرة الاستعمارية البريطانية، أصبحت اللغة الإنجليزية اللغة السائدة في العالم. واليوم، يستخدم قرابة “400” مليون شخص اللغة الإنجليزية كلغة أولى، بينما يستخدمها ضعف هذا العدد من جميع أنحاء العالم كلغة ثانية، وماتزال اللغة الإنجليزية اللغة السائدة في عالم السياسة والأعمال والسياحة.

وفي ظل تنامي الأهمية الاقتصادي والسياسية لدول الخليج على مستوى العالم، فإن اللغة العربية على أعتاب الانتشار. وهناك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الكثير من متحدثي اللغة العربية بنفس عدد متحدثي اللغة الإنجليزية حول العالم. غير أن ما تفتقده اللغة العربية هو عدد كبير من متحدثي اللغة العربية كلغة ثانية وناطقين باللغة الإنجليزية.

وفي العام 2017، نشر كلٌ من المجلس الثقافي البريطاني، والمنظمة الثقافية الدولية التابعة للحكومة البريطانية، تقريرًا يسلط الضوء على اللغات ذات الأهمية لمستقبل الدولة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. وجاءت اللغة العربية رابعًا بعد اللغات الإسبانية والصينية والفرنسية. وفي الوقت الراهن، تمثل اللغة العربية لدى وزارة الخارجية البريطانية واحدة من اللغات ذات الأولوية في العلاقات الدبلوماسية.

وفي هذا السياق، يجب التعرف على مشروع “مدرسة”، وهي أداة لتعليم اللغة العربية عبر الإنترنت والتي أطلقها الشيخ محمد بن راشد، حاكم دبي، لتعليم الأطفال في أنحاء الوطن العربي.

وفي صميم هذه المبادرة، هناك جهد غير مسبوق على المدى الطويل لتوفير المعرفة لأكثر من خمسين “50” مليون طفل عن طريق ترجمة الموارد التعليمية المتاحة فقط باللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، وترجم المتطوعون أكثر من “11” مليون كلمة، و”5000″ فيديو لمادتي الرياضيات والعلوم حتى تستفيد منها الأطفال في سن الخامسة حتى الثامنة عشر.

وتمثل تلك المبادرة، والتي تجمع بين المواد التعليمية والتكنولوجيا للمجتمعات الريفية النائية، فرصة للأطفال الأكثر حرمانًا من التعليم في العالم العربي. والهدف الرئيسي من هذه المبادرة هو غرس حب التعلم والشغف به في نفوس الأجيال القادمة، وهو ما يتماشى مع المشروعات الأخرى التي تديرها المبادرات العالمية التي يطلقها “محمد بن راشد آل مكتوم”، وأنشأت تلك المبادرات فعليًا “2,000” مدرسة، ودربت “400,000” معلم، وطبعت أكثر من ثلاثة “3” ملايين كتاب، مما عاد بالنفع على قرابة عشرة “10” ملايين طفل في أنحاء العالم العربي.

كما يتوافق مشروع “مدرسة” مع برنامجين آخرين تديرهما مبادرة الشيخ محمد بن راشد، وهما “جائزة محمد بن راشد للغة العربية”، وتكرم هذه الجائزة الأفراد والمؤسسات التي تدعم استخدام اللغة العربية في الحياة العامة من أجل تعزيز مكانتها، وتشجع أصحابها على النهوض بها”، وثانيًا، برنامج “تحدي القراءة العربي”، والذي يحفز ملايين الشباب سنويًا لقراءة خمسين “50” كتابًا أو أكثر باللغة العربية كل عام.

وهناك أيضًا، على الأقل، هدفًا آخر ملهمًا.

إن من السهولة بمكان تعليم الأطفال كيفية التحدث باللغة الإنجليزية، بدلاً من ترجمة العلوم الحيوية إلى اللغة العربية. ومع ذلك، سيخلو هذا الأمر من محاولة النهوض بهذه اللغة العربية التي تمتد بجذورها التاريخية أعمق من اللغة الإنجليزية.

لقد ساعدت الدول العربية الرائدة، مثل الإمارات العربية المتحدة، على انتشار اللغة العربية. وقبل تأسيس دولة الإمارات العربية في العام 1971، كانت الولايات المتصالحة سابقًا في قبضة البريطانيين على مدار “150” عامًا. وما جعل تلك الولايات ذات نفوذ على الصعيد العالمي في الوقت الراهن هو أنها ترتكز على سياسات الباب المفتوح والتي ترحب بدخول المهارات والتكنولوجيا الأجنبية، والهدف من ذلك هو نقل المعرفة إلى السكان المحليين على المدى الطويل، غير أن الإصرار على أن تكون اللغة الغربية هي اللغة المهيمنة سيشكل عائقًا أمام هذا الهدف.

لكننا، ربما، نشهد مرحلة تحول، فالعالم المتحدث باللغة الإنجليزية لم يعد يأتي إلى دول الخليج لمجرد عرض العلوم والخبرات نظير الأموال. وفي ظل نجاح دول الخليج في تنويع مصادرها الاقتصادية بعيدًا عن الاعتماد على الوقود الحفري، أصبحت تلك الدول الآن دولاً استثمارية يتودد إليها بشغف كل بلدان العالم.

ومثال على هذا الأمر، عندما خاطر راشد بن سعيد آل مكتوم بتحويل مجرى خور دبي المنقسم إلى ميناء حديث في العام 1972، فإنه اقترض الأموال من المؤسسات الغربية لهذا الغرض. واليوم، تدير شركة “موانئ دبي العالمية”، عملاق الخدمات اللوجستية العالمية والتي نشأت من هذا القرار، “78” مرفأً وميناءًا في أربعين “40” دولة، ومنهم ميناء “لندن جيتواي”، وهو أحدث موانئ الحاويات الواقعة على مجرى نهر التايمز بالمملكة المتحدة، ويتسم بعمق مياهه.

وربما يكون الوقت قد حان لكي يبدأ مواطنو تلك الدول تعلم اللغة العربية إذا ما أرادوا أن يصبحوا شريكًا مع هذا العالم العربي بالغ النفوذ. وفي حقيقة الأمر، فإن العرب هم المناهضون لانتشار لغتهم. والعديد من الناطقين باللغة الإنجليزية ممن يأتون إلى الخليج للعمل يطمحون إلى تعلم اللغة العربية. ومع ذلك، لا يداوم على هذا الأمر سوى عدد قليل منهم، والسبب أن معظم من يقابلهم من السكان المحليين ممن يتحدثون اللغة العربية، سواء في العمل أو اللعب أو داخل المؤسسات الحكومية، يتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة.

وهذا يجعلنا نعيد الاهتمام بموضوع المريخ.

وفي إشارة إلى النظام العالمي المتغير، فها هي دولة الإمارات العربية المتحدة – والتي كانت تستخدم طوال تاريخها الجمال والمراكب الشراعية كوسيلة للنقل – تمتلك الآن وكالة فضاء خاصة بها. وفي العام الماضي، أطلقت وكالة الفضاء أول قمر صناعي صممه وبناه الإماراتيون. وفي أبريل، سينطلق أول رائد فضاء إلى محطة الفضاء الدولية.

كما تقوم وكالة الفضاء الإماراتية مركبة الفضاء غير المأهولة والتي تسمى “الأمل”، وهي مسبار سيصل إلى مدار المريخ في الوقت المناسب للاحتفال بالذكرى السنوية الخمسين للدولة في عام 2021.

غير أن طموح الإماراتيين لن يقف عند حد السماء المريخية، حيث تطمح دول الإمارات إلى إقامة أول مستعمرة بشرية على الكوكب الأحمر بحلول عام 2117، أي بعد ثمانية وتسعين “98” عامًا من الآن، وربما يكون أحد المستعمرين هو حفيد إحدى الفتيات التي تعيش في المجتمعات العربية النائية والتي أصبح عقلها الآن أكثر انفتاحًا مما كانت عليه بسبب مشروع “مدرسة”.

ويا له من إنجاز عظيم يُضاف إلى ثقافتها ولغتها التاريخية إذا حدث وأن كانت أولى الكلمات المنطوقة على ظهر المريخ هي اللغة العربية.