لماذا لا يكرم الشرق الأوسط شعراءه وفنانيه؟

ريم تينا غزال

AFP Photo: Joseph Eid

من بين القطع الأثرية الموجودة في متحف “جوته” في فرانكفورت بألمانيا، هناك صفحة من إحدى المخطوطات والتي تبدأ بأحد أكثر الأقوال تكرارًا في اللغة العربية، وهي: “بسم الله الرحمن الرحيم.” وتجسد تلك الورقة، والتي يمتد عمرها لأكثر من قرنين، جوهر التبادل الثقافي.

ويقرأ المسلمون هذه العبارة عند تلاوة أي سورة في القرآن. ومن خلال كتابة عبارة “البسملة” في أعلى الصفحة قبل قراءتها بلسانه الأعجمي، كان “يوهان فولفغانغ فون غوته”، الشخصية الأبرز في تاريخ الأدب الألماني، يسلك بهذا الفعل عادة شائعة في ذلك الوقت في بقاع من العالم الإسلامي، ويكشف في الوقت ذاته عن ولعه بالشعر العربي والفارسي.

وأسفر هذا الولع – وهو حب “جوته” الواضح لأعمال الشاعر الفارسي العظيم “حافظ” في القرن الرابع عشر – عن نشر “الديوان الغربي الشرقي” في عام 1819، وهي مجموعة من القصائد المعنية بحواس الجسد، والتأكيد على أهمية الحياة، والتي يصفها النقاد الأدبيون بأنها إعادة تشكيل للشعر الأوروبي.

هذا ما حدث وقتها، ولكن ماذا عن تبادل الثقافات اليوم، ليس فقط في الأدب، ولكن في العلوم وغيرها من المجالات؟. مازال الولع قائمًا، على سبيل المثال، بقصص “ألف ليلة وليلة”، ولا يزال الكتاب من جميع أنحاء العالم يتداولن تلك القصص. ولكن لا يوجد تبادل على نطاق الإثراء المتبادل للأفكار حول ما حدث بين أوروبا في العصور الوسطى والعالم العربي والإسلامي.

وتتقن دولة مثل الإمارات العربية المتحدة جذب الفنانين من مختلف الثقافات للتعاون وبناء جسور التفاهم والتسامح. ولكن من الإنصاف القول إنه في عصر الرقمنة العالمية، أصبح الاختلاف بين الشرق والغرب أكثر غموضًا، وسط مخاوف من أن تحل الهوية العربية وثقافتها محل ثقافة الأمركة.

فعلى سبيل المثال، أثار مسلسل “جن”، وهو من الدراما الخارقة الخاصة بالمراهقين، وأول مسلسل عربي أصلي على تطبيق “Netflix”، الكثير من الصخب عند عرضه لأول مرة في جميع أنحاء العالم هذا الصيف. وتم تصوير حلقات المسلسل في الأردن، ويتتبع هذا المسلسل مجموعة من المراهقين في رحلتهم إلى مدينة “البتراء”، وهناك استدعوا بطريق الصدفة شخصية من عالم الروح، ويجب عليهم بعد ذلك منع تلك الشخصية من تدمير العالم. غير أن حلقات المسلسل تعرضت لانتقادات واسعة في الأردن بسبب ترويجها لقيم “غير أخلاقية” و”غير عربية”. وورد أن المدعي العام الأعلى في الأردن طلب من وزارة الداخلية منع بث حلقات المسلسل.

إن “القيم غير الأخلاقية” المفترضة والتي أثارت مثل هذا الغضب ما كانت لتثير دهشة الغربيين. غير أن المغزى من منع المسلسل غير ذلك. وفي جميع حالات التبادل الثقافي، لا بد من تحقيق التوازن، وأن يشكل كل جانب إضافة للآخر، ويستفيد من هذا التعاون.

وفي جميع أنحاء العالم، يتم الحفاظ على منازل كبار الكتاب والرسامين والموسيقيين وحتى البابا، حتى ترى الأجيال المقبلة هذا التراث. ولكن على الرغم من وجود العديد من المتاحف في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فنادراً ما يتم تكريس أي منها لفرد حقيقي وأعماله. وعلى الرغم من غزارة الشعر العربي، لم أجد سوى متحفًا واحدًا كرس نفسه لأحد الشعراء العرب.

ويوجد هذا المتحف في بلدة “بشرى” في لبنان، مسقط رأس الشاعر العالمي “جبران خليل جبران”، والذي أصبح الآن موطنا لمتحفٍ يضم مكتبته الخاصة ومخطوطاته ومقتنياته الشخصية، و440 لوحة أصلية، ومحتويات استوديو “نيويورك” الذي عمل فيه. ويقع المتحف في دير “مار سركيس” (القديس سرجيوس) والذي يعود إلى القرن السابع، ويستقبل هذا المتحف العديد من السياح الغربيين تكريماً لمؤلف كتاب “النبي”.

ويمثل “المتنبي”، أحد شعراء القرن العاشر، واحداً من أعظم الممارسين للغة العربية، وأكثرهم تأثيراً فيها. ومع ذلك، لا يوجد متحف يكرم هذه الشخصية الأدبية الشهيرة، رغم ترجمة أعماله لأكثر من 20 لغة. وكان منزل المتنبي في حلب، حيث يُعتقد أنه عاشفيهلمدة تسع سنوات، في طور الترميم لجعله متحفًا، بيد أن أعمال الترميم توقفت بسبب الحرب في سوريا.

وتشكل الرسائل المكتوبة باللغة العربية والتي تركها زائرو متحف “جوته هاوس” دليلًا على الاحترام المتبادل بين الكاتب الألماني في القرن الثامن عشر والشرق الأوسط، وإعجاب الكاتب الشديد بالشعر في دول الشرق الأوسط وثقافته. ومن المؤكد أن “جوته” سيفرح لمعرفة أنه بالقرب من إحدى زوايا المنزل الذي ولد فيه هناك مقهى يرتاده العرب كثيرًا في يومنا هذا.

ويجب على مثل هذا النوع من المتاحف أن يحتفل بحياة الكتاب العرب العظماء وأعمالهم، وليس فقط المحافظة على أعمالهم للأجيال القادمة من العرب، وتعريف العالم الغربي بتلك الأعمال، واستلهام رابط الحب المفقود والمطلوب بشدة بين الشرق والغرب.

 

ريم تينا غزال، حصلت على جائزة أفضل صحفية. وفي العام 2003، اصبحت “ريم” واحدة من أوائل سيدات التراث العربي التي قامت بتغطية مناطق الحروب في الشرق الأوسط.