ما السبب وراء فشل أردوغان في إنقاذ الاقتصاد التركي، حال قررت أمريكا فرض عقوبات “مُدمِّرة” على أنقرة!

فيصل اليافعي

بعد التهديدات التي أطلقها ترامب على موقع تويتر، ب”تدمير الاقتصاد التركي إذا ما قامت أنقرة بضرب الأكراد”، رد وزير خارجية أنقرة بأن الولايات المتحدة لن تصل إلى شئ إذا ما قامت بتهديد الاقتصاد التركي، وكان هذا التعليق بمثابة ردًا شجاعًا على تهديد يفتقر إلى الدبلوماسية من دولة حليفة وعضو في حلف شمال الأطلنطي (ناتو)، لكن لسوء حظ تركيا؛ فإن الأشهر العديدة الماضية أثبتت أن واشنطن لم تعُد حليفًا لأنقرة.

وفي أغسطس الماضي، قامت واشنطن بفرض تعريفة جمركية على الصادرات التركية من الصلب والألومنيوم، مما أدّى إلى هبوط قيمة الليرة التركية، وقد تراجعت واشنطن عن فرض تلك التعريفة الجمركية بعد إطلاق سراح القس الذي كان يحظى باهتماماً خاصًا للرئيس دونالد ترامب، حتى تم الإفراج عنه، لكن الاقتصاد التركي بدأ توًا في التعافي، لذا فإن الساسة الأتراك باتوا على علم بالمخاطر القوية التي تواجه البلاد.

وبغضّ النظر عما إذا كانت تهديدات ترامب هي نوع من أنواع البلطجة الصريحة (كما يبدو من وجهة النظر التركية)، أو كانت استخدامًا شرعيًا للضغط الاقتصادي من أجل تغيير السلوك (كما تصفها واشنطن)، فإن تلك المسألة محل نقاش.

والواقع أن القوة الاقتصادية الأمريكية تعطي لها نفوذًا هائلًا، لكن تركيا أيضًا وضعت نفسها في موضع الخطر عبر الخلط بين السياسة والاقتصاد بشكل كبير، وهناك أساليب من الممكن لأنقرة أن تتبعها من أجل تقوية اقتصادها ضد التدخلات الخارجية، لكن حتى الآن، لم يظهر بوادر من الرئيس التركي على إمكانية انتهاج هذا الأسلوب، وعلى العكس، فقد وضع رجب طيب أردوغان ثقته في السياسة وليس الاقتصاد كوسيلة للدفاع.

وتركيا لديها مشكلتين اقتصاديتين تجعلان منها عُرضة للتدخلات الخارجية.

الأولى هي ضخامة الدين الخارجي: فبنهاية عام 2018 صعدت قيمة الدين الخارجي لتصل إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي، وبما إن معظم تلك الديون بالدولار واليورو، فإن خدمة الديون باتت في ارتفاع بسبب تدهور قيمة الليرة التركية، والمشكلة الثانية هي ارتفاع نسبة التضخم، التي وصلت إلى ذروتها (25%) خلال نوفمبر الماضي، لكن تلك النسبة بدأت في الهبوط بشكل طفيف منذ ذلك الحين.

وكلتا المسألتين (الدين الخارجي والتضخم) تتعلقان بميول السوق، حتى أن صعود وهبوط الليرة بات يعتمد على تقديرات السوق لما يحدث للاقتصاد التركي، وهذا الأخير يعتمد بدوره على التطورات الخاصة بالسياسة الداخلية التركية.

وتلك هي الثغرة التي نفد منها أردوغان، لأن الرئيس ومنذ البداية جاهر بمعارضته لرفع أسعار الفائدة، على الرغم من أن تلك هي الوسيلة الأمثل لكبح جماح التضخم، من الناحية المعنوية، كما أن رفع أسعار الفائدة سيؤدي في شق منه إلى اهتزاز القاعدة التي يرتكز عليها أردوغان. فهناك العديد من ملاك المنازل الأتراك من الطبقة الوسطى، الذين استفادوا من ميزة الحصول على قروض لتحسين مستوى معيشتهم، وأقدمت شركات البناء الكبرى على الاقتراض بكل حرية لإنشاء مشروعات كبرى أثبتت عدم ربحيتها (أو أن تلك المشروعات لم تكتمل من الأساس). ورفع الاسعار سيؤثر على ملاك المنازل وعلى الشركات.

 

وفي تلك المسألة يكمن كل من ضعف الاقتصاد التركي، والوسيلة المحتملة للدفاع عنه، وبما أن هناك خلط شديد بين السياسة والاقتصاد؛ فقد بات العامل الأول يملك تأثيرًا مباشرًا على العامل الثاني، ولو أن الرئيس التركي قام بالتنازل عن القليل من سُلطاته؛ فسوف يؤدي ذلك إلى تقوية مركزه.

والطريق الأمثل لإقامة سياسة اقتصادية دفاعية يكمن في فصل الاقتصاد عن سياسات أردوغان، وعلى وجه التحديد يجب ان يرفع أردوغان يده عن البنك المركزي التركي، وتلك الخطوة ستكون بمثابة رسالة إلى الأسواق مفادها أن البنك المركزي التركي بات يتخذ قراراته دون التأثُر بأية اعتبارات سياسية، ولكن بدلًا من ذلك؛ فقد دأب أردوغان خلال الأسبوعين الماضيين على إحكام سيطرته على البنك المركزي.

وفي منتصف يناير الماضي، وبعد ثلاثة أيام فقط من التهديدات التي أطلقها ترامب بتدمير الاقتصاد التركي، قرر البنك المركزي التركي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، وقد تم فهم تلك الخطوة على أنها جاءت نتاج تسوية تأتي على خلاف رغبة السوق (التي تكمن في رفع سعر الفائدة)، كما تأتي خلافًا لرغبة أردوغان (تخفيض اسعار الفائدة قبل الانتخابات المحلية المقرر لها مارس 2019).

وفي ذات اليوم، وعلى أي حال، فقد صوّت البرلمان التركي على قرار يمنح الرئيس أردوغان سُلطات استثنائية في حالة حدوث تطورات سيئة من الممكن أن تهدد الاستقرار المالي للبلاد، وبما أن قرار البرلمان جاء عقب تهديدات ترامب بوقت قصير، فلا يسع المرء إلا أن يتيقّن من وجود رابط بين الحدثين.

ومن الواضح أن أردوغان يريد بناء خط دفاع اقتصادي في حالة وجود تهديدات جديدة، ولو أن تلك التهديدات باتت حقيقة، فإن ذلك سيكون نتاجًا لسياسة المناورة التي يتبعها أردوغان تجاه الأزمة السورية، ولسخرية الأقدار، ربما يلجأ أردوغان إلى تشييد هذا الخط الدفاعي الاقتصادي عبر الكف عن بسط السيطرة بشكل كامل على البنك المركزي، وهي الخطوة التي ستؤدي إلى تقوية الاقتصاد، وعلى الجانب الآخر فإن تلك الخطوة ستؤدي إلى إعطاء أردوغان المزيد من الحرية فيما يتعلّق بالسياسة الخارجية.

وبدلًا من ذلك، فقد أظهر أردوغان نيته لتفضيل إقامة خط دفاع سياسي، واضعًا ثقته في الصفقات والتهديدات السياسية.

والمؤكد أن تلك الصفقات قد أثبتت نجاحًا: فقد أدّت خطوة إطلاق سراح القس الأمريكي “أندرو برونسون” من الاحتجاز المنزلي؛ إلى رفع العقوبات الأمريكية في شهر أكتوبر، وفي اليوم اللاحق على تغريدة التهديد الأخيرة التي أطلقها ترامب، تم إعطاء وعود لأردوغان بتوفير منطقة آمنة في الشمال السوري، وهو الوعد الذي بدا منه أن أردوغان قد بدأ بالتراجُع عن سياساته تجاه أنقرة، ولم ينأى أردوغان بنفسه عن التهديدات السياسية، وحذّر من أنه إذا لم تتم إقامة منطقة آمنة شمالي سوريا فسوف يتدفق المزيد من المهاجرين إلى القارة الأوروبية.

لكن استمرار أردوغان في عقد مثل تلك الصفقات جعل الاقتصاد التركي عُرضة لمواجهة الأخطار.

والمؤكد أن أردوغان بارع في مسألة التكتيك، الا انه قد باتت قدرته على المناورة محدودة للغاية  وذلك بسبب اصراره على التاثير على البنك المركزي. وقد هدّد ترامب بإلحاق الأذى بالاقتصاد التركي حال رفض أردوغان الانصياع، ولسخرية الأقدار، فإن أردوغان يعمل على مساعدة ترامب على تحقيق هدفه، وذلك عبر إصرار الرئيس التركي على معالجة المشكلة الاقتصادية بطريقته الخاصة.

AFP PHOTO/TATYANA ZENKOVICH/POOL