اسباب عدم نجاح ايران في العراق

حسين عبد الحسين

اندلعت أعمال شغب بمنطقة جنوب العراق التي يقطنها أغلبية شيعية، وحدث انشقاق بين ساسة العراق، وقد اتهمت بغداد طهران بإشعال الاحتجاجات بغرض تشكيل حكومة عراقية على هوى طهران، وقد اعترضت طهران على تلك الاتهامات، لكن لو أن ادعاءات قادة بغداد صحيحة ولو بصورة نسبية فإن المتظاهرين لم يظهروا تأييداً لطهران، بل أن هؤلاء المتظاهرين قاموا بإحراق صور لآيات الله كما هاجموا مقرات الميليشيات المقربة من طهران، وقد أدّ الانقسام بين الساسة في بغداد إلى تفاقُم أزمة الحُكم، وقد أثبتت الاحتجاجات الأخيرة أن إيران لا يمكن لها بسط سيطرتها على العراق.

والواقع أن التظاهرات الأخيرة المناوئة للحكومة العراقية والتي قام بها الشيعة تكشف عن جانب أشد إثارة من العلاقة بين هؤلاء الشيعة وبين إيران، التي نصّبت نفسها راعياً لشئون الشيعة على مستوى العالم، والواقع أن العلاقات بين إيران وشيعة العراق، والتي كانت في أفضل حالاتها في أوقات سابقة، قد باتت الآن على قدر من التعقيد أكثر مما كان مُتوقّعاً.

وإذا ما عدنا بالذاكرة إلى العام 2003، في بداية الغزو الأمريكي للعراق، توقّع الكثيرون أن طهران ستقوم بضم منطقة جنوب العراق الغنية بالنفط، أو أن تعمل طهران على استغلال الأغلبية الشيعية من أجل السيطرة على العراق، ولم يحدث لا هذا ولا ذاك، بل أن طهران باتت تُعاني من أجل استمالة شيعة العراق، وذلك بغرض تكرار التجربة الإيرانية الناجحة مع شيعة لبنان، لكن الواقع أن الأمر في العراق يختلف بالكامل عن لبنان.

والحقيقة أن الأيام الأولى للديمقراطية في العراق شهدت ظهور ثلاث جبهات رئيسية، الشيعة والسُنّة والأكراد، حيث اشتركت الجبهات الثلاث في الانتخابات التي جرت في العام 2005، لكن بحلول العام 2009 نجح رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي في استخدام عائدات النفط من أجل كسب المزيد من المؤيدين، مما كان بمثابة صدمة للبيت الشيعي العراقي الذي يعمل تحت إشراف طهران، ومن ثم فقد تغلّب المالكي على شيعة العراق، وكررها مرة أخرى في العام 2014.

أما طهران فقد ألقت بثقلها خلف أعداء المالكي، ونجحت بالتحالف مع الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في الإطاحة بنوري المالكي، وتم تعيين حيدر العبادي رئيساً للحكومة خلفاً للمالكي، ولسوء حظ طهران فقد سار العبادي على منهج المالكي، كما استخدم العبادي موارد الدولة من أجل تكوين شبكة خاصة به، وخلال مايو من العام الحالي كانت هناك العديد من الجبهات الشيعية التي تتنافس من أجل الحصول على مقاعد البرلمان، وتم انتخاب 5 جبهات شيعية، وهي الجبهات التي لجأت إلى المناورات من أجل تشكيل الحكومة.

والآن فقد باتت هناك 5 جبهات شيعية من العيار الثقيل تسيطر على البرلمان العراقي، فضلاً عن شبكات المعارف والميليشيات التابعة لتلك الجبهات، لذا فإن طهران باتت تطمح إلى إيجاد حالة من الإجماع الشيعي العراقي خلف طهران، وفي الكثير من الأحيان كانت طهران مُجبرة على الوقوف إلى جانب فصيل شيعي معين، مما أدّى إلى بث الكراهية لطهران بين باقي الفصائل.

وبينما يتناحر قادة الفصائل السياسية في بغداد، فإن عامة الشيعة في الجنوب يواجهون عدة مشكلات منها الفساد وارتفاع نسبة البطالة وانهيار البنية التحتية، والواقع أن شيعة العراق لديهم نهج واضح وواقعي فهم يريدون فقط حياة أفضل، أما الحرب على الإرهاب والأسباب الأخرى التي مهدت الطريق أمام طهران للسيطرة على لبنان فإنها لا تجذب شيعة العراق على الاطلاق.

وهناك تعقيدات أخرى ستواجه إيران في العراق، ووفقاً لتقرير صادر عن وزارة الخزانة الأمريكية فإن إيران تقوم بتقديم مبلغ يُقدّر ب700 مليون دولار كل عام إلى حزب الله، والواقع أن قيام طهران بالمثل مع العراق سيكلفها أموالاً طائلة تفوق قدرتها.

والواقع أن لبنان، شأنها شأن الكثير من دول الشرق الأوسط، لم تقُم أبداً بإجراء تعداد رسمي للسكان، والواقع أن إجراء تعداد حقيقي لسكان لبنان سيكون له مميزات خطيرة منها ضبط المنظومة التي تعطي السُلطة للطوائف الدينية والعرقية بناء على العدد، ووفقاً للقوائم الانتخابية فهناك 1.2 مليون شيعي، وكذا فإن العراق لم تشهد تعداداً دقيقاً للسكان، فإجراء مثل هذا التعداد في العراق سيجهض الأساطير التي يقصها ساسة بغداد على الشعب، وعلى أي حال فقد كان هناك 24 مليون من الناخبين المسجلين في الانتخابات العراقية الأخيرة، وهناك تقديرات تقول أن عدد شيعة العراق وصل إلى 12 مليوناً، ولو أرادت طهران تمويل شيعة العراق بنفس نسبة تمويل حزب الله اللبناني؛ فإن طهران ستتكبّد 7 مليار دولار كل عام، وهو المبلغ الذي يعُد بمثابة ضغط هائل على ميزانية طهران، حيث أن الإنفاق الإيراني السنوي قد تخطّى حاجز 70 مليار دولار بقليل.

والمشكلة الثانية التي تواجه إيران في العراق تتمثّل في زيادة عدد رجال الدين العراقيين الشيعة المختلفين مع رجال الدين الإيرانيين والمرشد العام للثورة الإيرانية علي خامنئي، والواقع أن المذهب الشيعي انتشر تاريخياً بمدن النجف والكوفة وكربلاء، وتلك المدن تحتوي على المزارات الخاصة بأهم إمامين في المذهب الشيعي الأول هو مزار علي بن أبي طالب (رضي الله عنه وأرضاه)، والثاني هو مزار نجله الحسين، والحقيقة أن مدينة النجف تمثل للمذهب الشيعي ما تمثله مدينة روما للمذهب الكاثوليكي، وحينما تم تعيين جواد ظريف وزيراً للخارجية الإيرانية للمرة الأولى في العام 2013؛ قام الرجل بزيارة مدينة النجف كأول رحلة خارجية له بعد تولّي مهام منصبه، حيث قابل هناك آية الله علي السيستاني، وبعد اللقاء؛ نشرت صحيفة كيهان الموالية لعلي خامنئي ما يفيد بأن السيستاني أعلن عن تحالفه مع خامنئي، وقد أسرع مكتب السيستاني إلى نفي التصريحات المنشورة بصحيفة كيهان، ولم يُظهِر رجال الدين الشيعة من العراقيين أي تقدير أو احترام لطهران.

والمشكلة الثالثة التي تواجه إيران هي عائدات بغداد من النفط، وهي العائدات التي تساوي إن لم تتخطّى نظيرتها الإيرانية، وتلك العائدات أعطت القادة العراقيين الفرصة لاستخدامها من أجل تكوين شبكات لمناوئة النفوذ الإيراني، ولسوء حظ طهران، كل مرة تنجح في الدفع بشخص تابع لها كي يكون رئيساً للحكومة العراقية، يدير هذا الشخص ظهره لطهران بعد تولّي المنصب، ويبدأ تحت إغراء الموارد العراقية من النفط في التحرك بشكل مستقل بعيداً عن الإملاءات الإيرانية.

لذا فإن العراق باتت تمثل عقبة أمام أحلام الهيمنة الإيرانية، وبينما تتوقّع إيران ويتوقّع العالم أن تسيطر طهران على شيعة العراق؛ لكن شيعة العراق أثبتوا أن الأمر لا يمكن أن يمر بتلك السهولة.

AFP PHOTO/HAIDER MOHAMMED ALI