لماذا لا تغرق سفن العملات الرقمية في الشرق الأوسط؟

جوزيف دانا

Image courtesy of Justin Tallis / AFP

يقترب الاقتصاد العالمي من حافة ركود عميق وطويل الأمد، فلا تخبرنا الأنباء سوى عن أخبار قاتمة بداية من التضخم المتزايد، إلى أسعار الطاقة المرتفعة، إلى الحرب في أوروبا الشرقية، إلى التعافي غير المتكافئ لجائحة كورونا، والنتيجة هي هبوط أسعار الأصول واحتمال حقيقي لحدوث أزمة غذاء عالمية. وليست الأسواق التقليدية فقط من يتلقى تلك الضربات، فقد شهدت العملات الرقمية، بما في ذلك العملات الرئيسية مثل بتكوين وإيثريوم، عمليات بيع كبيرة تماشيًا مع الأسواق الهابطة. وكان من المفترض أن تعمل العديد من تلك الأصول كتحوط ضد التضخم، ولكن لم يصح ذلك الافتراض، وأدى ذلك إلى حالة من الذعر في مجتمع العملات المشفرة، لكن كان هناك سوقان لم يصلهم ذلك التأثير بنفس الطريقة وهما: سوق الإمارات العربية المتحدة وسوق دول البلطيق، ونتيجة لكون تلك الدول معزولة نسبيا عن الانخفاضات الحالية بفضل ما يتحلوا به من تفكير طويل المدى، فإن تلك البلدان في وضع تحسد عليه، حيث إنها قادرة على تحويل هذه الأزمة إلى فرصة.

فلم تقلق تلك البلدان من حالة تراجع السوق لأنها استثمرت في التكنولوجيا الأساسية التي تدعم العملات الرقمية على مستوى الدولة، وتقود إستونيا المسيرة، حيث تستثمر موارد كبيرة في تقنية بلوكتشين لإدارة حكومتها، وتوفر هذه التقنية سجلاً رقميًا للمعاملات التي يتم إجراؤها على مئات الآلاف من أجهزة الكمبيوتر والتي لا يمكن اختراقها، ويتفاعل مواطنو دولة إستونيا مع حكومتهم من خلال واجهات رقمية مؤمنة على بلوكتشين خاص، والتي من شأنها جعل الخدمات تعمل بكفاءة أكبر وجعل البلد أكثر أمانًا.

ونظرًا لسجلها الحافل بالمتغيرات مع روسيا، فقد استخدمت دول البلطيق تقنية بلوكتشين لإنشاء أنظمة تمكن حكوماتها من العمل عن بُعد، ففي حالة وقوع غزو روسي، يمكن للقيادة السياسية الوصول إلى بلوكتشين الخاصة بهم ومقاليد السلطة من أي مكان في العالم، وعندما تكون بلوكتشين جزءًا لا يتجزأ من نسيج الحكومة، فإن سعر البيتكوين لا يسبب الكثير من الهلع.

وفي حين أن دولة الإمارات لم تكن بحاجة إلى اتخاذ مثل تلك الخطوات الأمنية الوطنية التي اتخذتها دول البلطيق، لكنها تبنت مؤخرًا تقنية بلوكتشين، ففي عام 2016 ، كشفت حكومة دبي النقاب عن استراتيجية جريئة حول تقنية البلوكتشين، حيث دعت إلى التكامل السريع للخدمات الحكومية وتكنولوجيا بلوكتشين، وتجلى ذلك في مبادرات مثل الاستراتيجية “المعاملات اللاورقية” التي شهدت انتقال العديد من المكاتب الحكومية من الورق إلى المعاملات المخزنة بشكل آمن على بلوكتشين، وفي حين أن الطموح موجود، فإن تطبيق عالم بلوكتشين الجديد هذا يأتي في أوقات متقاربة، حتى بالنسبة للبلدان الصغيرة مثل الإمارات العربية المتحدة، فإن نقل الأنظمة إلى بلوكتشين يستغرق بعض الوقت.

وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة متحفظة أيضًا على موضوع السماح للمواطنين والمقيمين بالوصول غير المقيد إلى العملة المشفرة، بينما يمكنك الآن شراء وبيع العملات المشفرة بسهولة نسبية، ولم يكن الأمر كذلك في السابق. وقد يكون للامتصاص البطيء للعملات الرقمية، إلى جانب المقدار الكبير نسبيًا من الأموال المستهلكة بين السكان المحليين، علاقة بالعزل النسبي لدولة الإمارات العربية المتحدة عن الفوضى في أسواق العملات المشفرة، وما هو واضح في كل هذا هو أن الإمارات العربية المتحدة ترى أن تقنية بلوكتشين (والعملات المشفرة إلى حد ما) جزء أساسي من إنشاء اقتصاد المعرفة.

ومع استمرار الحكومة في تبني جوانب أخرى من جوانب اقتصاد المعرفة الحديث، من ميتافرس إلى التكنولوجيا الزراعية، ستستمر تكنلوجيا البوكتشين في الظهور بشكل بارز، على الرغم من تغير سعر البتكوين. ويجب أن يساعد إنشاء أول وزارة للذكاء الاصطناعي في العالم، والتي لديها أيضًا تفويض بشأن البلوكتشين، في عملية الانتقال. ويجب ألا ننسى أن الإمارات العربية المتحدة هي مركز مهم في سوق التحويلات العالمية، ومع انتقال المزيد من التحويلات إلى مجال الرقمي المشفر، فمن المرجح أن تكشف الإمارات العربية المتحدة عن مسكوكتها أو عملتها الرقمية لتظل على رأس هذا القطاع الاقتصادي المربح.

فماذا يعني هذا بالنسبة لموقف الإمارات العربية المتحدة ودول البلطيق بشأن الانخفاض الحالي في أسعار العملات المشفرة؟ يجب أن يكون واضحًا أن البلدان التي استثمرت في مشاريع البنية التحتية الخاصة بالبلوكتشين والتي تتمتع بنظرة بعيدة لا هاجس لديها حول تقلبات أسعار العملات الرقمية على المدى القصير، وتعد الإمارات العربية المتحدة أيضًا موطنًا لمزيد من رأس المال لشراء العملة الرقمية بسعر منخفض، لكن هذا يُبعدنا عن النقطة الأكثر أهمية.

وسعر العملة الرقمية الرائدة في العالم وهي الـ “بيتكوين” متقلب بشكل مذهل، ففي العام الماضي، انتقل سعرها من أعلى مستوى له عند حوالي 67000 دولار إلى أدنى مستوياته الحالية عند حوالي 30 ألف دولار لكل بيتكوين، ومن غير المحتمل أن ينتهي هذا النوع من تقلبات الأسعار في أي وقت قريبًا. ولا ينبغي لهذا الواقع أن يحجب إمكانات تقنية البلوكتشين لتغيير طريقة عيشنا وتفاعلنا مع بعضنا البعض، حيث تسير التكنولوجيا الأساسية بخطوات ثابتة نحو الاندماج في مرافق الحياة الأساسية، بينما يتفهم المزيد من المستثمرين والحكومات القوة الدائمة لـ “بلوكتشين” وفي البلدان الأصغر ذات البيئات التشريعية الذكية، لم تؤد تقلبات سوق العملات المشفرة إلى إبطاء عملية إدخال “بلوكتشين” في جوانب الحياة الرئيسة، ومع استمرار انخفاض حرارة أسواق العملات الرقمية، ستستمتع هذه البلدان الصغيرة بنصيب الأسد من الابتكار في عالم البلوكتشين. وهناك فرصة ممتازة في ظل الانكماش الحالي للسوق، وفي غضون سنوات قليلة، من غير المرجح أن يتذكر الكثيرون الانخفاض الاخير في أسعار العملات الرقمية.

 

جوزيف دانا هو رئيس التحرير السابق لـ إكسبونانشال فيو، وهي جريدة إخبارية أسبوعية حول التكنولوجيا وتأثيرها على المجتمع، كما شغل منصب رئيس تحرير “إميريج 85” ، وهو مركز يستكشف التغيير في الأسواق الناشئة وتأثيره العالمي.