هل سيخفف بومبيو من حدة التوترات القائمة في الشرق الأوسط، أم أنه سيؤججها؟

ياسمين الجمال

تنتظر مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي الجديد العديد من التحديات الهائلة، ولعل أبرزها هو إدارة عدد من القضايا الشائكة في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، سارع بومبيو إلى القيام بجولة في ثلاث دول شرق أوسطية بعد أيام قليلة من المصادقة على قرار تعيينه. وبالنظر إلى اضطلاعه بدور أكبر وإصغاء دونالد ترامب له بخصوص القضايا الرئيسية، فهل يمكن أن يكون بومبيو الرجل الذي سيخفف من حدة التوترات في المنطقة أم أنه سيؤججها نظراً لمواقفه السابقة بخصوص إيران والإسلام والإرهاب؟

خلال توليه لمنصبه السابق كمدير لوكالة الاستخبارات الأمريكية، نسج بومبيو علاقة وثيقة مع ترامب، حيث أوكلت له مهام حساسة من قبيل اللقاء بكيم جونغ أون للتحضير لقمة مرتقبة بين زعيم كوريا الشمالية والرئيس الأمريكي. ولقد منحه هذا الأمر ثقة الرئيس، الأمر الذي لم يتمكن سلفه من تحقيقه. ومع نهاية جولته الأولى في الشرق الأوسط، يبدو أن مواقف بومبيو بخصوص بعض القضايا تتسم بالاعتدال، إلا أنه سينفذ أهداف الرئيس المتشددة المرجوة.

المسألة الأولى، وربما الأهم، هي قيام ترامب في 12 مايو باتخاذ قرار حول الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، بعد مجموعة من الجهود التي بذلها عدد من الشركاء الخارجيين للولايات المتحدة سواء المؤيدة أو المعارضة للاتفاق. فمن جهة، أصر الأوروبيون بقيادة فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا على إيجاد حل وسط سيسمح بإبقاء الاتفاق على حاله، مع إدخال بعض التعديلات. وقد زار كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل واشنطن الأسبوع الماضي ليؤكدا شخصياً لترامب على أنه سيكون للانسحاب من الاتفاق عواقب وخيمة. كما أن ماكرون شدد على هذا الأمر في الخطاب المشترك الأول الذي ألقاه أمام الكونغرس خلال تولي ترامب الرئاسة.

ومن جهة أخرى، أيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، وهو من أشد منتقدي الاتفاق منذ إنشائه، بشدة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، محتجاً بنوايا إيران الخبيثة وأن جوهر الاتفاق لا يخلو من العيوب. وفي أداء درامي يرمي بالتأكيد إلى التأثير على ترامب قبيل اتخاذه للقرار، زعم نتنياهو بأن الإيرانيين قد كذبوا منذ البداية ولا ينبغي الوثوق بهم، وبالتالي يتعين إلغاء الاتفاق.

وفي 29 أبريل، عندما وقف بومبيو إلى جانب نتنياهو خلال زيارته إلى تل أبيب، بدا أن وزير الخارجية الجديد يشجع على اتباع نفس النهج، مشيراً إلى أن رعاية إيران للإرهاب من بين الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى الحرص على “ألا تمتلك ]إيران[ أي أسلحة نووية أبداً.” ولم تنطو لهجة بومبيو على أي إشارة تفيد بأن الولايات المتحدة ستميل إلى مواصلة المشاركة في الاتفاق، ونظراً لتوافق مواقفه مع ترامب (على خلاف ريكس تيلرسون الذي عادة ما كان هناك تعارض بينه وبين الرئيس فيما يخص السياسات الخارجية)، فإن ما قاله بومبيو ينذر على الأرجح بما هو قادم. وكما هو الحال في أي وضع يكون فيه قرع طبول الحرب وشيكاً، سيكون من مصلحة إدارة ترامب أن تدرس عواقب الانسحاب من الاتفاق الإيراني والتصعيد المحتمل للأوضاع في المنطقة الذي سيليه.

وقد أظهر بومبيو موقفاً متشدداً مماثلاً برفضه مقابلة القيادة الفلسطينية خلال رحلته وامتناعه عن انتقاد استخدام الجيش الإسرائيلي للذخيرة الحية خلال مواجهته للمتظاهرين الفلسطينيين على طول الحدود مع غزة. ورغم أنه يؤكد مراراً أن التوصل إلى حل للصراع هو من بين أولويات الولايات المتحدة، فإن انحيازه العلني لإسرائيل، خاصة في فترة ما قبل افتتاح السفارة الأمريكية في القدس، لا يبشر بأنه سيكون لبلده تأثير إيجابي على المحادثات المستقبلية.

وفي حين لم يفعل بومبيو شيئاً لتهدئة التوترات فيما يخص إيران والنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، فإن زيارته إلى المملكة العربية السعودية شهدت جهوداً لإقناع السعوديين بتسوية خلافهم مع قطر، ويرجع ذلك بالأساس إلى أن بومبيو يرى أن التصدي لإيران يتطلب لعب كافة الأوراق المتاحة. ولن يساعد رفع الحصار عن قطر واستعادة العلاقات الدبلوماسية معها الفاعلين الإقليميين على التصدي لأنشطة إيران الخبيثة وغير المرتبطة بالشأن النووي في المنطقة فحسب، بل سينتج عن ذلك تشكيل جبهة موحدة وضرورية في مجلس التعاون الخليجي لمواجهة تنظيم “داعش” وتفرعاته المحتومة، إضافة إلى الدور المهم الذي يمكن أن تلعبه دول المجلس في إمكانية التوصل إلى حل للنزاع في سوريا.

لقد أظهر اختيار بومبيو للدول التي شملتها أول زيارة له إلى الشرق الأوسط انسجامه مع أولويات ترامب في المنطقة، والمتجسدة في تصعيد الضغط على إيران وإعادة تأكيد دعم الولايات المتحدة الراسخ لإسرائيل وكذا توطيد العلاقة مع المملكة العربية السعودية كشريك عربي رئيسي. وكما أشار العديد من المراقبين للأوضاع في المنطقة، فإن هذه الزيارة أرسلت رسالة واضحة بخصوص الدور البارز الذي سيلعبه بومبيو في إدارة ترامب. ويبقى أن نرى ما إذا سيكون لهذا الدور أثر إيجابي أم لا.

AFP PHOTO / SAUDI ROYAL PALACE / BANDAR AL-JALOUD