تفعيل البصمة “الترامبية” على الشرق الاوسط مع استقدام بولتن

نبراس الكاظمي

سيكون لإختيار جون بولتن كمستشار الامن القومي الجديد لدى الرئيس دونالد ترمب انعكاسات ملموسة على سياسات امريكا تجاه الشرق الاوسط. ولكن هذه المتغيرات ستنجم عن كون بولتن اداري كفء وصاحب إلمام دقيق بشؤون السياسة الامريكية على عكس من سبقه في هذه الوظيفة الجنرال اه آر مكماستر، اي انها لن تكون ناجمة عن اي افكار او قناعات مسبقة يمتلكها بولتن عن المنطقة. فمن الخطأ احتساب ما جرى في الاسبوع الماضي بمثابة انقلاب عقائدي في البيت الابيض، لأنه ليس من الصحيح احتساب بولتن على المحافظين الجدد كما اعتقد الكثير من المعلقين ذلك وعلى مدى عقود. بولتن، كونه قومي المُنحنى وآحادي التوجه في الشؤون الخارجية، هو “ترامبياً” من قبيل ظهور ترمب. اذن، ما يمكن توقعه هو تطبيق شديد لتلك الرؤية على الشرق الاوسط، والتي يمكن لنا وصفها على انها متجردة من العواطف والحنين، واستغلالية في دوافعها، وتصطحب معها توقعات بقيام حلفاء امريكا بحمل العبئ الاكبر من الالتزامات العسكرية والاستراتيجية مقابل التحدي الايراني.

بولتن مضطلع بالفنون البيروقراطية، فهو يدرك دهاليزها بشكل متعمق ويعرف متى واين له ان يزيد او يخفف من الضغط كي يدفع مساعيه وسياساته الى الامام. هذه المهارة، وليس ايديولوجيته، هي العامل المتغير الجذري في عملية اختياره لهذه المهمة. قد اكتسب ترمب ذراعا ايمنا يشاركه افكاره ويستطيع خوض حروبه ضد “الدولة العميقة” بنجاح وتفانٍ. وهذا المصطلح، اي الدولة العميقة، استخدمه ترمب في بعض تغريداته ويقصد بها الاشارة الى المجاميع المخفية في اجهزة الامن القومي الامريكي والتي تسعى، حسب تصوره، الى تقويض رئاسته من خلال تلبيسه بتهم شتى. عمل بولتن في مواقع ادارية متعددة في الدولة الامريكية منذ عهد ريغان، وهو خبير في مقارعة هذه المجاميع. وهذه الخبرة، وليس افكاره، هي ما يفسر تقبله من جانب اكثر من طرف في الحزب الجمهوري الذي عادة ما لا يتقبلون التنوع الفكري في اوساطهم. فحلفاء بولتن الجمهوريين يتنوعون ما بين السيناتور الراحل جيسي هلمز، الى الطبقة الارستقراطية المحيطة بعائلة بوش (بولتن عمل كأحد ابزر المحامين لجورج بوش الابن في عملية اعادة فرز اصوات ولاية فلوريا المثيرة للجدل عام 2000)، وايضا الى اعتى المحافظين الجدد من امثال ريشارد بيرل. قابلية بولتن في الحفاظ على هذه الروابط والصلات تعكس مهاراته السياسية ايضا، ولكنها توضح ايضا بأنه غير محسوب على اي مدرسة او فئة معينة ضمن التقاليد الواشنطونية.

بولتن سيّاف بيروقراطي ماهر قد جاء من الاطراف الرمادية والهامشية المحيطة بالحلقات المعروفة في السياسة الخارجية الامريكية. ومن الصعب تحديد مرجعيته الفكرية في تلك الافلاك المعهودة، لأنها ببساطة لم تكن دارجة او متداولة فيما سبق. وهذا هو سبب الاخطاء المزمنة في تعيين مكانه من الاعراب الايديولوجي. ولكن إن تفحصنا سيرته واقواله، سنجد استمرارية واضحة في سردياته: على امريكا ان تتجنب القيود القانونية المترتبة على مشاركتها في الاتفاقات الدولية متعددة الاطراف، وعليها ايضا ان ترد بحدة على اي من كان يروم تحديها في المجال الاستراتيجي وبأن لا تتنازل مقدار انملة في اي مضمار تحسب عائديته لها، ويجب ان لا تتحمل امريكا مسؤولية نشر الديموقراطية وتمويل عملية “بناء الامم”، وبأن لا تسمح لاجهزة الامن القومي العائدة لها برسم سياسات مستقلة عن اوامر الرئيس وبأن هذه الاجهزة يجب تقليمها، بالاضافة الى ذلك لامريكا التعايش مع الحكام المتسلطين حول العالم إن لم يشكلوا تهديدا مباشرا عليها. هل يبدو هذا الكلام مألوفا؟ بالطبع، لأنه مطابق مع ما قاله ترمب في الشؤون الخارجية منذ اوائل عقد الثمانينات من القرن الماضي. ولكن هذه الافكار لم يكن لديها معبدا يحتضنها فيما سبق في دهاليز السلطة، الى ان وجدت بيتا لها في المكتب البيضوي مع قدوم ترمب.

هذه الخلفية الفكرية غير المعهودة ستعقّد عملية استقراء دوافع ومنطلقات بولتن، ومن خلفه ترمب، حول قضايا الشرق الاوسط. قد تبدو فوضوية ولكنها ليست كذلك. على الاغلب، سينصح بولتن رئيسه بإستثمار الفرص الجيوستراتيجية حال ظهورها في المنطقة، ولكن ان غابت تلك الفرص فإن امريكا ستغيب عن المنطقة او على الاقل لن تقود مشاريع طموحة لإعادة تشكيل الشرق الاوسط. ايران قد تتلقى ضربة موجعة إن كشفت عن ضعف ما. وقد نسمع اقوال ذات سقف عالٍ مثل “تغيير النظام”. ولكنني اشك في جدية قيام ترمب بإستنزاف رصيده السياسي في تحقيق هذه التأملات. هذا الاسلوب في التفاعل مع المنطقة قد يشابه الاسلوب “الواقعي” الاسرائيلي في ادارة محيطه. قد نرى بعض العمليات الجسورة هنا وهناك، ولكن لن تواكبها طموحات كبيرة ووردية. اذن، قد نشهد تدميرا لمفاعل نووي سوري قيد الانشاء، او عملية لإغتيال عماد مغنية، ولكن لن نرى انخراطا واسعا، لا لوجستيا ولا عاطفيا، في استبدال نظام الاسد ببديل ديموقراطي. هذه التوازنات كانت ماثلة في كيفية ادارة بولتن لمسعى اعادة تأهيل معمر القذافي في منتصف العقد الاول من هذا القرن بعدما تنازل الديكتاتور الليبي عن اسلحة الدمار الشامل التي كان يكتنزها. وخلاصة الكلام هو ان اي مساعي لإحداث تغييرات جذرية كبرى في المشهد الشرق اوسطي ستترك للقوى الاقليمية. وستكون امريكا مشجعة لهم، ولكن لن تقوم بأدوار اكبر من ذلك. وتحت هكذا ظروف، فإن الولايات المتحدة الامريكية قد ترحب بقيام سلاح الجو الاسرائيلي بتنفيذ غارات على المنشئات النووية الايرانية بدلا من محاولة اصلاح او تعديل ما يعرف بالاتفاق النووي الايراني من خلال الآليات الدبلوماسية.

فهم هذا التوازن ما بين تحيّن الفرص او التخطيط بعيد الامد في الوصول الى غايات امريكا في الشرق الاوسط يتطلب اعادة تقييم لحربها في الحرب، والتي تمر ذكراها الخامسة عشر هذه الايام. بولتن كان من الانصار الصادحين لها، ولكن كيفية توصله الى هذا الموقف تكتنفها بعض التفاصيل الدقيقة والمثيرة. لأن بولتن، في هذا الشأن وفي شؤون اخرى تتعلق بالشرق الاوسط، كان يستمد النصيحة والتوجيه من زميله السابق في مؤسسة امريكان انتربرايز انستتيوت حيثما عملا في نهاية التسعينات الدكتور ديفيد وورمزر. في كثير من الاحيان، يتم ادراج وورمزر ايضا في خانة المحافظين الجدد وهو امر لا يتقبله عن نفسه. وإن كان هناك تشابه عقائدي الا ان كيفية وصول وورمزر الى قناعته فيما يخص حرب العراق تختلف عنهم، وهذا ما وضحه في مقال نشره في مجلة ناشيونال ريفيو الالكترونية في شهر نوفمبر 2015 مع وفاة السياسي العراقي احمد الجلبي. كان يتطلع وورمزر في تورّد الديموقراطية في الشرق الاوسط، ولكنه لم يكن يرى في نموها شأن حتمي او سهل التطبيق هناك، وهذا الرأي يتنافى مع منطلقات المحافظين الجدد. ولكن ما جعله ينخرط لتحقيق هدف ازالة نظام صدام حسين هو وجود الجلبي، الذي عدّه وورمزر من الفرص التاريخية النادرة، وكان يعتقد بأن في استطاعة الجلبي قيادة التغيير الديموقراطي في العراق وعلى نطاق اوسع في الشرق الاوسط. ومع وفاة الجلبي، اعلن وورمزر في مقاله انتهاء هذه الفرصة في حاضر المنطقة الحالي.

من السابق لأوانه التكهن في كيفية تأثير هذه القناعات التفصيلية على بولتن وترمب عند اتخاذهم للقرارات الكبرى. ولكن ما يمكن قوله هي اننا سنشهد عدولا واسعا عما اعتدناه من واشنطن حيال المنطقة. ولكون بولتن معروف بالكفاءة والمهارة البيروقراطية، فإن الفئات الاخرى المشاركة في القرار، إن كانت لا تزال موجودة في اروقة وزارة الخارجية او الدفاع او السي آي آى، او حتى الكونجرس، والتي فيما سبق كان لها المماطلة او التمييع في تنفيذ قرارات الرئيس، ستجد بأن قابليتها على المناورة قد تقلصت بصورة كبيرة، ولن تستطيع لملمة هذه التوجهات الجديدة وتأطيرها ضمن المعلوم والمألوف.

Photo: Drew Angerer/Getty Images/AFP